ومن الأسف أن فلسفة اليونان نقلت إلى العربية من غير تمحيص للمذاهب، ومعرفة نظريات كل فيلسوف على حدة، بل نسب إلى أرسطو ما ليس على مذهبه، وإلى أفلاطون ما ليس على مذهبه، حتى اضطر الفارابي أخيرا إلى تأليف كتاب للجمع بين نظريات أفلاطون وأرسطو؛ مع أن الجمع بينهما غير ممكن، كأنه يعتقد أن الفلاسفة الكبار منزهون عن الخلاف، ولم يكن يعبأ بالجزئيات كما ذكرنا، ولا يطيل الوقوف عندها.
وكان يعتقد أنه كل شيء فهو طبيب جسماني، وطبيب روحاني، وموسيقي بارع، وكان له فضل كبير في تقسيم العلوم وحصرها.
والفارابي أول فيلسوف إسلامي نظر إلى الفلسفة نظرة شاملة كاملة - كان الكندي قبله فيلسوف - وتحدث المعتزلة كالنظام، والجاحظ، وأبي هذيل العلاف في مسائل من صميم الفلسفة، ولكن أحدا منهم لم يعرض الفلسفة عرضا وافيا قبل الفارابي، وأتى من بعده كابن سينا وابن رشد، فحذا حذوه، وقد قلد في هذا الشمول والتنظيم أرسطو من قبل، فلئن قالوا عن الكندي: إنه المعلم الثاني، فالأولى بهذا اللقب الفارابي.
ومن مزاياه نظرته الفلسفية إلى المجتمع، متأثرا بقول أرسطو المشهور: «الإنسان مدني بطبعه»، فعنده أن المجتمع كالفرد، إذا تألم منه عضو تأثر بهذا الألم سائر الأعضاء، وكذلك إذا تلذذ عضو تلذذ سائر الأعضاء.
وقد كان للفارابي ثلاثة منابع يستمد منها فلسفته؛ فالفلسفة اليونانية، وخاصة مذهب أفلاطون وأرسطو، والديانة الإسلامية، والعقل الذي يوفق بين الفلسفة اليونانية بعضها مع بعض من جهة، وكلها مع الإسلام من جهة أخرى، وهذا التوفيق يحتاج إلى عقل قوي كبير؛ لأن للفلسفة اليونانية مذاهب مختلفة جدا، يصعب التوفيق بينها، ولأن عماد الفلسفة العقل المطلق، وعماد الدين القلب. ومن أظهر أمثلة ذلك من النوع الأول كتابه: «الجمع بين رأيي الحكيمين»، يعني: أفلاطون، وأرسطو، ومن النوع الثاني أنه ألف كتابه: «آراء أهل المدينة الفاضلة»، فحاكى في أجزاء كثيرة منها أفلاطون في جمهوريته، وأبعد منها ما لا يتفق مع الإسلام اتفاقا واضحا، وزاد عليه أشياء كثيرة من تعاليم الإسلام، مثال ذلك: الشروط التي شرطها في الإمام الذي يسيطر على مدينته الفاضلة، فقال: «ينبغي أن يكون هذا الرئيس سليم البنية، قوي الأعضاء تامها، جيد الفهم والتصور، قوي الذاكرة، كبير الفطنة، سريع البديهة، حسن العبارة، محبا للعلم والاستفادة، متحليا بالصدق والأمانة، نصيرا للعدالة، عظيم الإرادة، ماضي العزيمة، قانعا، متجنبا للذاته الجسمية»، وهذه كلها مأخوذة من جمهورية أفلاطون.
وزاد عليها شرطا استمده من الدين، وهو أنه لا بد لرئيس المدينة أن يسمو إلى درجة العقل الفعال، الذي يستمد منه الوحي والإلهام، والعقل الفعال هو الله تعالى.
وعند الفارابي أن الوجود ينقسم إلى واجب الوجود، وممكن الوجود، وليس هناك غيرهما من الوجود، وطريق معرفتنا لله هو الموجودات التي تصدر عنه، فمن الله الواحد يصدر الكل، وعند الله منذ الأزل صور الأشياء ومثلها، ويفيض عنه الوجود الثاني، أو العقل الأول، وهو الذي يحرك الفلك الأكبر.
وتأتي بعد هذا العقل عقول الأفلاك الثمانية تباعا، يصدر بعضها عن بعض، وهذه العقول هي التي تصدر عنها الأجرام السماوية، والعقول التسعة هي التي تسمى ملائكة السماء.
وفي المرتبة الثالثة يوجد العقل الفعال، وهو المسمى أيضا روح القدس، وهو الذي يصل العالم العلوي بالعالم السفلي .
وفي المرتبة الرابعة النفس، وكل من العقل والنفس لا تكون على حالة واحدة، بل تتكثر بتكثر أفراد الإنسان. وفي المرتبة الخامسة توجد الصورة، وفي السادسة المادي أو الهيولا، وبهاتين تنتهي سلسلة الموجودات.
والمراتب الثلاث الأولى: الله، وعقول الأفلاك، والعقل الفعال، ليست أجساما، أما المراتب الثلاث الأخيرة، وهي: النفس، والصورة، والمادة، فهي تلابس الأجسام، وإن لم تكن ذواتها أجساما.