وكلما تقدم الزمان كانت تتبلور الفلسفة، وصاروا يقصدون من علم الطبيعة معرفة العناصر التي تتألف منها المادة، والكيمياء تدرس القوانين التي تتركب بموجبها عناصر المادة، وتبين لنا مقدار العناصر الموجودة في الكون، وعلاقة بعضها ببعض، ونحو ذلك.
وأهم من ذلك كله أن الفلسفة تتجاوز هذه الموضوعات المختلفة من مادة وتكوينها، وتريد أن تجمع نتائج العلوم كلها، وتنسق بينها كالذي يرى معارك مختلفة فينظر إليها من طائرة، أو كجذور الشجرة بالنسبة إليها، فكل طائفة من العلماء تبحث في علمها، وتأخذ الفلسفة نتائجهم، وتؤلف بينها، وتتعمق فيها.
والفيلسوف الحق من استطاع أن يضيف إلى ذلك تجربته الخاصة، وقد استفاد فلاسفة عصرنا هذا مما سبقهم، ومن الثقافات المختلفة التي نقلت إليهم، فعدولها، ووفقوا بينها، ووصلوا من ذلك كله إلى نتائج باهرة، كانت معول الفلاسفة الأوروبيين في أول نهضتهم، وقد كان قائدهم ابن سينا في طبه، والرازي في أبحاثه، والغزالي في إلهياته.
نعم، إن الأوروبيين بعد أن اعتمدوا على أكتاف الفلاسفة الإسلاميين طاروا من فوقهم، ووصلوا إلى أشياء لم تصل إليها الفلسفة الإسلامية. ومن الأسف أن فلاسفتنا المسلمين لم يطيروا كما طار الغربيون، بل ظلوا يكرر الخلف ما قاله السلف، ولا يخرجون عما قالوه إلا في قليل.
وأول ما ظهرت الفلسفة الإسلامية ظهرت في علم الكلام؛ ذلك أن الأمم غير الإسلامية من يهود أو نصارى أو وثنيين، أثاروا مسائل لم تكن تثار من قبل كالجبر والاختيار، وعدل الله.
ووجدوا في الفلسفة منهلا عذبا لإرواء غليلهم، فتسلحت كل أمة بها، ولم يكتفوا ببحث المسائل، بل هاجموا الإسلام في بعض مسائله؛ فاضطرت طائفة من المسلمين أن تتسلح بسلاحها وتدفع عدوانها، فكان هذا سببا في وجود علم الكلام.
وكان المتكلمون أول من قام بهذه المهمة، وهؤلاء المتكلمون كان منهم بعض أهل السنة، لكن كان أقواهم وأشدهم بأسا، وأكثرهم دفاعا عن الإسلام المعتزلة، حتى إن المعتزلة جعلوا المناظرة والمجادلة، وهذا النوع من الثقافة ركنا كبيرا من أركان الإسلام.
وهذا الموقف من المتكلمين، وأهل الأديان أثار في الجو مسائل كثيرة مثل: هل الشر يصدر عن الله؟ وما فائدة الشر في هذا العالم؟ وهل الله يقدر على فعل الظلم؟ إلخ.
وكان علم الكلام هذا إرهاصا للفلسفة، وأهم فرق بين علم الكلام والفلسفة أن المتكلم يؤمن أولا بدينه، ثم يتلمس الدلائل والبراهين الفلسفية لتقويته، والدفاع عنه، والرد على مخالفيه.
أما الفيلسوف فيدخل في هذه المسائل مجردا عن كل اعتبار، وهو طوع الدليل حيثما يكن، فكان طبيعيا أيضا أن تكون الكراهية سائدة بين المتكلمين والفلاسفة، كما فعل الجاحظ المعتزلي مع الكندي أول فيلسوف؛ إذ هزأه في كتاب «الحيوان»، وسخر منه، وشهر به.
ولا بد أن تكون هناك أمثلة كثيرة من هذا القبيل لم نقف عليها.
وكان من أشهر الفلاسفة في عصرنا هذا الفارابي، وإخوان الصفا، والبيروني، وابن سينا، فأما الفارابي فكان من أصل تركي، وكان فلاسفة الإسلام على العموم يسلكون مذهبين؛ يعرف أحدهما عند المناطقة بمذهب الاستنتاج، والآخر بمذهب الاستقراء، فالأولون يقررون القواعد الكلية، ثم يستنتجون منها الجزئيات، كما تقول: الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، تطبق الأمثلة الجزئية على هذه القواعد، والآخرون يستقرون الجزئيات، ثم يستنتجون منها القاعدة.
وكان المتكلمون أميل إلى طريق الاستقراء، والفلاسفة الأولون أميل إلى طريق الاستنتاج.
وكان الفارابي من فلاسفة الاستنتاج، ويسميهم «ديبور» الطبيعيين بهذا المعنى.
ولا يهمنا كثيرا تاريخ حياته الشخصي بالتفصيل، وإنما يهمنا أمره الفلسفي، فقد ذكروا أنه تعلم الفلسفة على معلم مسيحي هو يوحنا بن هيلان، وتعبيراته غامضة، ككل علم في أول أمره، حتى إن ابن سينا على عظمته اضطر - كما يقولون - إلى قراءة كتابه «ما بعد الطبيعة» أربعين مرة ليفهمه، والتحق بمجلس سيف الدولة، ولازمه حتى مات.