وأما الذي قسم هذه المباحث إلى شطرين، علم يتعلق بالنظم، وسماه علم المعاني، وعلم يتعلق بالمجاز، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، وسماه علم البيان، فهو السكاكي المتوفى سنة 626ه.
وكان ممن له فضل كبير في علم البلاغة الزمخشري في كتابه «الكشاف»، ولكنها كانت مباحث متفرقة هنا وهناك، فلم يعد من ضمن مؤلفي البلاغة.
وحدث أن أفرد بعض الأدباء أنواع البديع بالتأليف، وكان أول من فعل ذلك عبد الله بن المعتز في كتاب له سماه «علم البديع»، جمع فيه سبعة عشر نوعا من أنواع البديع، فجاء بعده قدامة بن جعفر، وأوصلها إلى عشرين، ثم جاء أبو هلال العسكري - الذي ذكرناه سابقا - وأوصلها إلى سبعة وعشرين. ولا زال يزيد من يأتي بعد، حتى أوصلها زكي الدين بن أبي الإصبع في كتاب له اسمه «التحرير» إلى تسعين.
ولم تزد البلاغة كثيرا، ولا النحو، ولا الصرف، ولا اللغة عما تكون في هذا العصر الذي نؤرخه، وكل ما فعله المتأخرون إنما هو جمع لمتفرق، أو تفريق لمجموع، أو شرح لغامض، أو تحديد لمتشتت، وفي آخر الأمر فقدت هذه العلوم روحها، وأصبحت أدوات جافة لا طعم لها.
وعلى الجملة، فإن العلماء جدوا في هذه الفروع كلها، وتحمسوا لها، بداعي خدمة القرآن، وتبيين ما فيه؛ فالنحويون - مثلا - اجتهدوا في إعراب القرآن، ومن هؤلاء الكسائي، والفراء، والزجاج، وكان نحوهم مشتملا على أشياء بيانية، كأسباب الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، وبعضهم اشتغل بمجاز القرآن، ككتاب أبي عبيدة المسمى «مجاز القرآن»، وقد أخذ منه البخاري كثيرا في صحيحه في باب التفسير، والبيانيون جدوا في معرفة أساليبه التي سببت الإعجاز، حتى إن عبد القاهر الجرجاني سمى كتابه «دلائل الإعجاز»، وألف أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور في أسباب الإعجاز، فإن قلنا: إن هذه العلوم كلها كانت لخدمة القرآن، ومن أجله نمت وترعرعت لم نكن بعيدين عن الصواب.
الفصل الخامس
| الفلسفة
لم يكن العرب يعرفون الفلسفة؛ لأنها ليست من طبيعتهم، فقد اشتهروا بأنهم أهل لسن، لا أهل فلسفة عميقة، وهم أقرب إلى الحكمة منهم إلى الفلسفة، ولكل منهما ميزة، إنما عرفوا الفلسفة بعد أن اختلطوا باليونان، والفرس، والهند، والروم، ونقلوا إليهم كتبهم الفلسفية، وقد تنقلت الفلسفة الإسلامية في أدوار ثلاثة:
الدور الأول:
نقل نتف فلسفية من هنا، ومن هنا، كالذي يحكي عن خالد بن يزيد الأموي ونحوه.
والثاني:
النقل المنظم من كتب فلسفية منسوبة إلى مؤلفيها، كالذي كان في عصر المأمون ومن بعده.
والدور الثالث:
هو الدور الذي توضحت فيه هذه العلوم، وبدأ فلاسفة الإسلام يتفهمونها، ويعلقون عليها، ويزيدون فيها.
وقد جاء عصرنا هذا، وقد تم النقل تقريبا، وبدأ المسلمون يستغلونها كما يظهر ذلك في مؤلفات محمد بن أبي بكر الرازي، ثم الفارابي، ثم ابن سينا.
وقد كان موضوع الفلسفة إذ ذاك أوسع من موضوع الفلسفة اليوم، فقد كانت تشمل المنطق، والطبيعيات، والكيميائيات، والإلهيات، والرياضيات، والنفس والاجتماع إلخ. ولكن على توالي العصور، بدأت علوم كثيرة تنفصل عن الفلسفة، وتستقل عنها، كالمنطق، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وربما انفصلت علوم أخرى عنها واستقلت.
وأول ما بدأت الفلسفة في الإسلام بدأت النواحي العملية منها، كالطب والتنجيم لحاجة الملوك، والشعوب إليها، كالذي قال الغزالي: «أردنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله»، وهكذا بدأت الفلسفة لسد الحاجة من طب وتنجيم، وانتهت بحب البحث المجرد.
لقد بدأت الفلسفة شبه خرافية، بدأ علم الفلك بالتنجيم، وبدأ الطب بالوصفات الشائعة، ثم تحول كل ذلك إلى بحث منظم، لا يراد به إلا الحق، فعلم التنجيم صار فيما بعد علم النجوم، وتحويل المعادن إلى ذهب أدى عندهم إلى علم الكيمياء، وهكذا.