وكان من أكبر من خدم اللغة والأدب في ذلك العصر الثعالبي؛ فقد ألف كتبا كثيرة في نواح كثيرة : في فقه اللغة، وفي شعراء القرن الرابع عرض نماذج من شعرهم، وقد سلك في ذلك مسلكا لطيفا، وهو جعل باب معين لشعراء كل قطر، كما ألف في طرف لطيفة ككتاب «من غاب عنه المطرب»، ونحو ذلك من كتب لا عداد لها، وإن أخذ عليه شيء في أعظم كتبه وهو «اليتيمة»، فهو عنايته في ترجمة الشعراء بالعبارات الرنانة أكثر من عنايته بالتحليل النفسي للشاعر، وتحليل شعره، حتى إن ترجمة الشاعر يمكن رفعها من مكانها، ووضعها في ترجمة شاعر آخر، ومع ذلك فله فضل التعريف بشعراء يمكن رفعها من مكانها ووضعها في ترجمة شاعر آخر. ومع ذلك فله فضل التعريف بشعراء كثيرين لولاه ما عرف عنهم شيء، وكانت العادة المتبعة أن ترسل البعثات من جميع الأقطار الإسلامية إلى العراق - وخاصة إلى بغداد - كما نرسلها اليوم إلى أوروبا، فحدث أن أرسلت مصر شابين مصريين ليتعلما النحو واللغة، وما إليهما في بغداد، فلما وصلا وجدا أن ألمع اسم في بغداد هو الزجاج الذي أشرنا إليه من قبل.
كان هذان الشابان هما ابن ولاد، وابن النحاس، فدرسا عليه وعلى غيره ما شاء الله أن يدرسا، ثم عادا إلى مصر، فملآها نحوا وصرفا؛ ولكن من غير ابتكار، وإنما علمهما اقتباس من على البغداديين، وكان ابن ولاد أحب إلى قلب الزجاج من ابن النحاس، فكان يسأل عنه من قدم بغداد من المصريين، وكونا مدرسة في القاهرة تشبه مدرسة الزجاج في بغداد فيها تفسير، وفيها نحو وصرف إلى غير ذلك، ولكن كان بينها من التنافس ما بين المتعاصرين عادة، كل منهما يرمي صاحبه بالجهل، فجمع بينهما بعض أمراء مصر، وأمرهما أن يتناظرا أمامه، فعلى طريقة البغداديين قال ابن النحاس: كيف تبني مثال افعلوت من رمى. قال له ابن ولاد: ارمييت، فخطأه ابن النحاس في ذلك، وقال: ليس في كلام العرب افعلوت. فقال: إني أجبت على السؤال، وإن لم يكن له أصل صحيح، ولم أقل ارمويت؛ لأن الفعل يائي، وهكذا كان التهريج من ابن النحاس على عادة البغداديين، ولا يقال: إن ذلك شبيه بارعويت؛ لأن ارعويت على وزن افعللت، لا افعلوت، وكان ابن ولاد أحب إلى المصريين؛ لأنه كان نبيلا كريما سمحا؛ على العكس من ابن النحاس، وألف ابن ولاد كتاب «الانتصار لسيبوبه»، و«المقصود والممدود»، و«معاني القرآن»، وألف ابن النحاس «تفسير أبيات كتاب سيبويه»، و«كتاب الكتاب»، و«الكافي في النحو» إلخ، فكلاهما ملأ مصر علما وتأليفا على نمط علم العراق وتأليفه.
ويذكرون لنا أن الرماني في هذا العصر أول من مزج النحو بالمنطق، يعنون بذلك أنه راعى في النحو التقسيمات المنطقية، وعلل الأحكام تعليلا منطقيا، وسبب ذلك أن الفلسفة اليونانية كانت قد انتشرت في هذه البقاع، وعرف حتى النحو اليوناني، وتناقش العلماء أيهما أفضل: النحو العربي، أو النحو اليوناني؟ كما حكى لنا أبو حيان التوحيدي في «المقابسات».
علم البلاغة
فإذا نحن وصلنا إلى علم البلاغة وجدناه قد تكون حول البحث في أسباب إعجاز القرآن، بدأ نتفا قصيرة، وما زال يزيد على توالي الأزمان، حتى وصل إلى أبي هلال العسكري المتوفى سنة 395ه، فجعله أحق العلوم بالتعلم؛ إذ بدونه لا تفهم أسباب إعجاز القرآن.
وملأ كتابه بمباحث تدور حول النواحي التي ترفع قدر الكلام، وتكسوه جمالا وجلالا، والعيوب التي تحط من قدر القول، وتكسبه قبحا وسخافة.
وكانت علوم البلاغة تسمى علم البيان، حتى جاء عبد القاهر الجرجاني في العصر الذي يلي عصرنا، فأخرج للناس علما دقيقا ذا قواعد وأصول، في كتابين جليلين، اسم أحدهما «دلائل الإعجاز»، واسم الثاني «أسرار البلاغة».
بحث الأول عن الوجوه التي تكسب القول شرفا، وتكسوه جلالا من حيث اشتماله على استعارة مستحسنة، أو كناية لطيفة، أو تمثيل جليل، أو تشبيه طريف، وتعرض في كثير من المواضع إلى ما عد بعد من علم المعاني، وما عد من علم البيان.