ومعنى هذا التعبير - كما ترى - سخيف، وهو يرى أن الفلاسفة لا يستطيعون أن يؤلفوا في النحو والصرف، فإن ألفوا فيهما فشيء تافه، وما عيب الفيلسوف إذا لم يكن يحسن إلا الفلسفة؟
ثم من مظاهر تزمته اعتقاده أن اللغة العربية لا وضعية، وقد كان المعتزلة الأحرار يرون أنها وضعية لا توقيفية، وعلى ذلك جرى أبو علي الفارسي، وابن جني، وبينما كان ابن فارس رجعيا في هذه المسائل إذا هو تقدمي في مسائل أخرى؛ من ذلك رسالته إلى صاحب له هو محمد بن سعيد، يعتب عليه تحريمه على بعض المعاصرين تأليف كتاب في مختارات بعد كتاب أبي تمام، وهو «الحماسة»، فيقول له: «لعله يستدرك من جيد الشعر، ونقيه، ومختاره، ورضيه كثيرا مما فات الأول، فما هذا الإنكار، ولم الاعتراض؟ ومن ذا حظر على المتأخر سبق المتقدم؟ ولم تأخذ بقول من قال: ما ترك الأول للآخر شيئا، وتدع قول القائل: كم ترك الأول للآخر؛ وهل الدنيا إلا أزمان؟ فلكل زمان رجال، وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأفهام، ونتائج العقول؟ ومن قصر الآداب على زمان معلوم، ووقفها على وقت محدود؟!»، فهذه نظرة تقدمية من غير شك.
ثم هو يفيدنا من ناحية أخرى، وهي شكواه من غلبة اللحن حتى على الفقهاء والمتعلمين، ويقول: «أما الآن، فنرى المحدث يحدث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نبها قالا: ما ندري ما الإعراب؛ وإنما نحن محدثون وفقهاء».
ونلاحظ في هذا العصر ظاهرة أخرى، وهي العناية بما يسمى فقه اللغة، فنرى ابن فارس هذا يملأ كتابه «الصاحبي» بمسائل يسميها فقه اللغة، والثعالبي يؤلف كتابا في فقه اللغة، وهو يذكر في صدر كتابه هذا أنه إنما سمى هذا العلم بهذا الاسم وفقا لاختيار الأمير الذي أهداه إليه؛ وهذا يدل على أن هذا الاسم مخترع في هذا العصر، ويقصدون به بيان الفروق الدقيقة بين الكلمات التي يظن أنها مترادفة، وليست في الحقيقة مترادفة؛ ومن اللغويين من سمى هذا النوع بالفروق كأبي هلال العسكري.
وفي العصور الحديثة نراهم قد سموا ما يسمى عند الإفرنج بالفيلولوجي «فقه اللغة»، مع أن مدلوله عند الإفرنج - فيما يظهر - مخالف لمفهومه عندنا؛ فمفهومه عند أكثر اللغويين من الإفرنج مقابلة الكلمات في اللغات المختلفة، وتاريخ اللغات، وغير ذلك. ولعلهم أخذوا هذا الاسم مما كان شائعا في تسميتهم «علم الفقه»، فربما رأوا أن ذلك الفقه فقه الأحكام، فسموا هذا فقه اللغة؛ والفيلولوجي عند الإفرنج أوسع مدلولا من فقه اللغة عند العرب.
وقد قال ابن فارس: إن هذا الكتاب وهو «الصاحبي» في فقه اللغة العربية، وفي سنن العرب في كلامهم؛ ولا أدري هل سبق الثعالبي، وابن فارس في هذا الاسم أحد أو هما واضعاه! والغالب في نظرنا هو الأول؛ لأن الثعالبي يذكر أن هذا الاسم ابتكره من ألف له الكتاب؛ ولعله أبو الفضل الميكالي.
ومما يؤسف له أن ابن فارس في كتابه هذا زعم أن اللغة العربية أغنى اللغات في تعبيراتها، وأساليبها، وأمثالها، وهي مسألة نرى العلماء في هذا العصر يتباحثون فيها، وربما كان ذلك أثرا من آثار الشعوبية، فنرى سائلا يسأل أبا سليمان المنطقي هذا السؤال، ولكن أبا سليمان كان أعقل من ابن فارس، فقد أجاب بأن الإجابة عنه تقتضي معرفة بلغات العالم، ومقارنات عديدة بينها مما لا يتيسر الآن، وهي إجابة تدل على سعة نظر، وبعد تفكير، وشعور بتبعة الجواب على مثل هذا السؤال، وذلك خير مما قال ابن فارس.
فمهاجمة الشعوبية للعرب جعلت العرب يتعصبون للعربية، ويبالغون في تقديس لغتهم.
على كل حال، كان علماء اللغة والنحو والصرف في ذلك العصر يحملون تبعات كثيرة، فيعتقدون أن في عنقهم رد اللغات العامية إلى أوكارها، ونزعات الشعوبية إلى مكامنها، وإحياء اللغة الفصحى، وتوسيعها في أكثر ما يمكنهم من ميادين.