تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأبو علي الفارسي هو الذي أنجب ابن جني الذي سار على مذهب أستاذه، وتوسع فيه، وكان له ولأستاذه الفضل الكبير في علم الصرف، وفيما يعرف بفقه اللغة.

ومن لفتات ابن جني الجليلة فهمه أن النحو القديم مؤسس على العامل كما ذكرنا، فإذا قلت: ضرب زيد عمرا، فالرفع في زيد، والنصب في عمرو، إنما أحدثه ضرب. وقد جرهم ذلك إلى تأويلات كثيرة متكلفة، فقالوا مثلا في «إذا السماء انشقت»: إن تقديرها: إذا انشقت السماء انشقت، ونحو ذلك في مواطن كثيرة تكلفوا فيها تكلفا سخيفا، فهدم ابن جني هذه القضية، وقال في خصائصه: «وأما في الحقيقة، ومحصول الحديث، فالحركات من الرفع والنصب والجر والجزم، إنما هي للمتكلم نفسه، لا لشيء غيره، وعلل ذلك تعليلا فلسفيا يشبه تعليل النحويين، إذ يقول: إن ضرب انتهت بمجرد النطق بها، فلا يمكن أن تكون عاملا في زيد أو عمرو، فليس الفعل عاملا في الفاعل، ولا المفعول، وليست إن تنصب المبتدأ وترفع الخبر، ولا كان ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وليس المبتدأ مرفوعا بالابتداء، فهذا كلام لا معنى له، وليس الخبر مرفوعا بالمبتدأ كذلك».

والناظر في نحو الخليل وسيبويه يرى أنه موضوع على أساس العامل، وظل كذلك إلى عصرنا الذي نؤرخه، وجاء ابن جني يريد تأسيس نحو آخر، ولكن مع الأسف لم يجد سميعا، فظل النحو معتمدا على العامل، فإذا لم يجدوه تأولوه، واستمر النحاة لا يزيدون شيئا إلا نادرا، وكان نحاة عصرنا الذي نؤرخه سائرين على هذا المنوال. وأخيرا، جاء ابن مضاء - كما أشرنا - من قبل قاضي القضاة في قرطبة في عصر المؤرخين، فألف كتابا سماه «الرد على النحاة» أسسه على الجملة التي رويناها عن ابن جني في الخصائص، وقد نشر حديثا.

وكان ابن مضاء هذا ظاهري المذهب، لا يؤمن بالتأويل والقياس، فجرى في النحو مجراه في الفقه، فلا تأويل لعامل، ولا عمل له.

ولكن ذهبت دعوته أدراج الرياح، كما ذهبت دعوة ابن جني من قبل، وكما ذهبت دعوة أبي نواس في الشعر إلى التجديد، وظل النحاة في القرون المختلفة إلى اليوم يؤمنون بالعامل.

ومن مظاهر هذا العصر أيضا ما ابتدعه الثعالبي في تأليفه كتاب «فقه اللغة»، جمع فيه الألفاظ المتقاربة في موضوع واحد، كالمائدة والخوان، مع بيان الفرق بينهما، كما تعمد أن يؤلف كتابا في أسرار اللغة، يتعمق فيه في معاني الأسلوب. وقد توسع فيه ابن سيده في «الخصائص»، فجعله في سبعة عشر جزءا، أسسه على المعاني لا على الألفاظ، فكان هذا فتحا جديدا في بابه.

وقد تركت هذه المدرسة - وهي المدرسة المتسلسلة من المبرد إلى الزجاج إلى أبي علي الفارسي إلى ابن جني - أثرا كبيرا في اللغة والنحو والصرف، ومن قديم وعلماء اللغة والنحو والصرف ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: محافظين لا يرون الخروج عن القديم بحال من الأحوال، حتى في الأدب لا يريدون أن ينشئوا أدبا إلا ما كان على نمط الشعر الجاهلي، فإن تسامحوا في شيء فإنهم يقلدون الشعر الأموي، ومن هؤلاء كان ابن الأعرابي الذي لم يشأ أن يعترف بشعر أبي تمام لحداثته، حتى كان يعرض عليه الشعر من غير أن يذكر قائله، فيستحسنه، فإذا قيل له: إنه لأبي تمام، أو لأبي نواس؛ استبرده.

وأحرار في الأدب يرون أن القدماء والمحدثين خاضعون لمقاييس واحدة، فقد يسمج المتقدم، ويأتي المحدث بالروائع، والعكس، وقد رأى هذا الرأي قديما ابن قتيبة في «طبقات الشعراء»، وسار على هذا النمط كثيرون من أبرزهم أبو نواس إذ عاب العرب الأولين في البكاء على الأطلال، وبكاء الدمن، ودعا إلى التجديد في الغزل في المذكر، والغزل في الخمر، ولكنه مع الأسف لم يستمر طويلا على مذهبه.

وفي اللغة والنحو والصرف كان أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني من هذا الصنف، وربما عد ابن فارس من الذين وقفوا موقفا وسطا بين القديم والجديد، يدل على ذلك كتابه المسمى ب «الصاحبي» نسبة إلى الصاحب بن عباد، وكان الصاحب هذا تلميذا لابن فارس، فهو في هذا الكتاب يعرض آراء متحفظة متزمتة حينا ، وآراء حرة حينا، فمن تزمتاته جعله علم العروض أفضل من الفلسفة، فيقول: «علم العروض الذي يربي بحسنه ودقته واستقامته على كل ما بتبجح به الناسبون أنفسهم إلى التي يقال لها الفلسفة».

ظهر الإسلام · الصفحة ١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٦١