تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الخطابة السياسية والاجتماعية فلم تثر الخطباء، إنما تبادل الأدباء الرسائل أكثر مما تبادلوا الخطب، فنجد الرسائل المتبادلة بين المعري، وداعي الدعاة، وبين كثير من رجال الشيعة والسنية، ولعل سبب ذلك أن النزاع بين هذه الطوائف من شيعة وسنية، ومن فقهاء وصوفية، ومن معتزلة كلها تحتاج إلى عقل كبير؛ وهذه أنسب لها الرسائل، أما العاطفية الدينية، وإثارتها فأنسب لها الخطب.

الفصل الرابع

| النحو والصرف والبلاغة

شهد القرن الثاني معركة كبيرة في النحو والصرف بين مذهب البصريين والكوفيين. ويرجع أكثر الخلاف إلى البيئة التي كانت حول البصرة والكوفة، ثم شهد القرن الثالث الهجري امتزاج المذهب البصري بالمذهب الكوفي، وظهور منتخب من المذهبين، وشهد القرن الرابع تمام هذا الامتزاج.

والحق أن كتاب سيبويه في النحو والصرف كان من القوة بحيث كان المرجع في العالم الإسلامي من تاريخ تأليفه إلى اليوم، وكل ما فعله الناس أنهم شرحوا غامضا أو اختصروا مطولا، أو بسطوا معضلا، أما الأسس التي بني عليها الكتاب فبقيت كما هي في النحو والصرف إلى اليوم، من عهد شرح الصيرافي لكتاب سيبويه، إلى النحو الواضح للمرحوم الجارم بك، فمثلا: ظل النحو طول حياته متأثرا بنظرية العامل، فالفاعل مرفوع بالفعل، والمفعول به منصوب بالفعل، وإذا لم يكن هناك عامل ظاهر قدر هناك عامل مستتر، مثل: «إذا السماء انشقت»، وألجأهم إلى ذلك ادعاؤهم أن الفاعل لا يتقدم الفعل، فلا يمكن أن يكون السماء فاعلا لانشقت الآتية، وادعاؤهم أيضا أن إذا لا تدخل إلا على جملة فعلية.

ولم يشذ عن ذلك فيما نعلم إلا ابن مضاء الأندلسي الذي أنكر نظرية العامل.

وكان من أوائل النحويين الذين لهم أثر كبير في النحو بمعنى الشرح والتفسير الزجاج، وكانت حياته صورة مصغرة لعصره؛ فمثلا: كان يخرط الزجاج، ومن أجل ذلك سمي بالزجاج، وكان يكسب في اليوم دينارا، وكسرا من دينار، فحبب إليه النحو، واتصل بالمبرد؛ وكان المبرد هذا لا يعلم النحو إلا بأجر، ولا يعلم بالأجر إلا بمقداره؛ فمن أعطاه درهما علمه بدرهم، ومن اعطاه درهمين علمه بهما، وهكذا.

فاتصل به الزجاج، وقاوله على أن يعلمه كل يوم بدرهم، ووفى له بذلك، فكل يوم يعطيه درهما، وكل يووم يتعلم منه بمقداره، فلما شدا في ذلك طلب هو أن يعلم أيضا، فأراد أن يحصل ما صرف. وكان المبرد يرشحه لذلك أيضا، وشاء القدر أن يعلم شابا اسمه القاسم ابن عبيد الله، فرأى فيه مخايل الأرستقراطية، فقال له: أتنذر إن أصبحت وزيرا أن تعطيني عشرين ألف دينار؟ فوعده بذلك.

ثم شاء القدر أن يصبح وزيرا للمعتضد؛ ولكن عز عليه أن يعطيه المبلغ من جيبه، فعينه آخذا لعرائض الناس، وعرضها عليه، ومعنى ذلك: أن العرائض التي تقدم للوزير يأخذها الزجاج، وهو الذي يعرضها على الوزير، وجعل له من الطالبين أو مقدمي العرائض مبلغا بنسبة ما يكسبه صاحب الشأن من كل عريضة؛ فهذا يدفع مائة، وهذا يدفع ألفا، ومعنى ذلك: أن القاسم بن عبيد الله أباح له الرشوة الرسمية، وعرف من أجل ذلك بالجاه، وقربه من الوزير؛ فأخذ الناس يقبلون عليه لقضاء حوائجهم في نظير «جعل»، حتى حصل بذلك أكثر من العشرين ألفا، ولما امتنع بعد ذلك طلب منه أن يستمر في عمله، ولا بأس أن يكسب أكثر مما كسب، وهي حادثة تدل على فساد العصر.

وإلى ذلك العصر لم تكن العلوم - وخصوصا اللغوية - متميزة التميز الدقيق على النحو الذي نراه في كتاب «الكامل» للمبرد؛ فنحو وصرف بجانب بلاغة، بجانب كلام في إعجاز القرآن إلخ، ولذلك نراهم يؤلفون في معاني القرآن، والاشتقاق ككتاب «فعلت وأفعلت»، وكتاب «خلق الإنسان»، و«خلق الفرس»، و«شرح أبيات سيبويه»، و«كتاب النوادر».

ومن أكبر حسنات الزجاج أنه أنجب العالم المشهور أبا علي الفارسي، وهو من علمت في التوسع في القياس، والتوسع في الاشتقاق.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٦٠