تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال، كان هذا العصر غنيا - كما ترى - بالأدب الخالص، وبالنقد الأدبي؛ وربما لم يساوه في ذلك عصر من العصور.

ومما يلاحظ أن النقد كان يتبع الأدب، ولم يفتح له أبوابا جديدة؛ فالأدب إن كان قد غرق في المحسنات اللفظية، فإنا نرى النقد يشيد بهذه المحسنات، ولم ينصحه بأن يقلل منها. والأدب اتجه إلى العناية بالألفاظ أكثر من العناية بالمعاني، فوجدنا النقد يخدم هذه الفكرة، وكان على النقاد ألا يقيسوا الأدب بمقياس عصرهم، بل يسمو عن عصرهم، بتصور المثل الأعلى للأدب.

وعلى الجملة، فقد كان النقاد مسوقين بالأدب لا قادة له، وربما كان ذلك في أكثر العصور شرقا وغربا، وكان من أحسن ما عملوه، واتجهوا إليه الوقوف عند كل بيت أو قصيدة، وذكر من قال هذا المعنى قبل الشعر، ومن كان أجود، ومن كان أردأ، ومن أين أتت الجودة، ومن أين أتت الرداءة؛ ولذلك كان من أكبر موضوعاتهم السرقات الشعرية، وادعاء أن فلانا سرق المعنى من فلان، وهو تهجم فظيع؛ لأن ادعاء سرعة المعاني صعب إثباته، فقد يكون هناك توارد في الأفكار.

نعم، إذا كان لفظ البيت كلفظ البيت، أو الشطر كالشطر سهل ادعاء السرقة، أما إذا اختلفت الألفاظ فمن الصعب ادعاء ذلك، والذي يلاحظ أيضا أن النقاد في أكثر ما اتجهوا إليه نظروا إلى الجزئيات دون الكليات، شأنهم في الفقه، فهم بدل أن يقرروا قاعدة في البيع مثلا، يذكرون صفة بيع جزئي لتستنتج منه القاعدة، وكذلك في الأدب، يذكرون بيتا وأقرانه، أما تعرضهم مثلا لأصول الأدب، وبم يرقى أدب عن أدب؟ وأنواع النثر، وأنواع الشعر، والشروط اللازمة في كل نوع، فقليل نادر في كتبهم، وحتى إذا أرادوا أن يقارنوا بين شاعر وشاعر كما فعل الآمدي في الموازنة بين أبي تمام والبحتري، فالمنهج الصحيح أن يقوم كل شاعر في شعره، ومزاياه على العموم وعيوبه، أما أن يقارن بين بيت من هذا وبيت من ذاك في معنى واحد، أو قصيدة لهذا أو قصيدة لذاك فنظرة جزئية، لا تسلم إلى الحكم الصحيح.

ونوع آخر من الأدب يقدمه لنا قابوس بن وشمكير، ذلك أنه كان ملكا لجرجان وطبرستان، ولئن كان سيف الدولة ملكا بدويا عربيا فقابوس هذا ملك فارسي متحضر، وكما أن الملك تعجبه الطرف، والأشياء الأنيقة، فكذلك كان قابوس تعجبه الطرف الأدبية، ويهديه الشعراء من طرفهم، وينشد هو طرفا.

كان كما ذكرنا ملكا، فأزاله عضد الدولة عن ملكه، فبكى ملكه كثيرا، كما بكى ملكه ابن عباد، لما زال ملكه عن الأندلس، ومن قول قابوس:

لئن زال أملاكي وفات ذخائري

وأصبح جمعي في ضمان التفرق

فقد بقيت لي همة ما وراءها

منال لراج أو بلوغ لمرتقي

ولي نفس حر تكره الضيم مركبا

وتكره ورد المنهل المترنق

فإن تلفت نفسي فلله درها

وإن بلغت ما أرتجيه فأخلق

وكذلك له النثر البديع المصنوع صنعة دقيقة، وقد قال القول البديع بالفارسية والعربية، وله نصائح غالية لابنه. ومن قوله: «أمن صخر تدمر قلبه، فليس يلينه العتاب، أم من الحديد جانبه، فلا يميله الإعتاب، أم من صفاقة الدهر مجن نبوه، فقد نبا عنه غرب كل حجاج، أم من قساوته مزاج إبائه، فقد أبى على كل علاج»، وهو أسلوب مبالغ في زينته على نمط كلام ابن عباد، وابن العميد، فإن كان له شيء جديد، فهو تقدمه في البلاغة خطوة بالإمعان في السجع، والاستعارات، والمجازات، وقد طبعت له رسائل في مصر تدل على ما نقول.

وظهر في هذا العصر ابن نباتة، وكانت له الخطب الرنانة، ولكن من المؤسف أنه كان متجها إلى الخطابة الدينية السياسية والاجتماعية؛ ذلك لأن العصر ثارت فيه العواطف الدينية أكثر من غيره، فقد كانت الحروب الصليبية على أشدها بين سيف الدولة والصليبيين، ورجال الدين من الجانبين يشعلون نيران العواطف، فكان ابن نباتة من هذا القبيل.

لئن قال المتنبي، وأبو فراس، وغيرهما في وصف هذه الحروب وصفا أدبيا، فقد كان ابن نباته يجعل وظيفته إثارة البواعث للقيام بهذه الحروب، ودفع إغارة الصليبيين.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٥٩