تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأسند كل خبر لصاحبه ممن روى عنهم، أو من الكتب التي أخذ منها، ويظهر أنه كان ثقة فيما ينقل، يتحرى الأخبار، ولا يأخذ إلا ما صح عنده، وفي الكتاب نقد لكثير من الروايات مما يدل على علمه بالنقد، إما لأن الراوي ليس بثقة، وإما لأن الأحداث التي رويت لا تتناسب مع الزمان والمكان والبيئة. وكان قوي النقد صحيحه، فليس يضع من شأن الشاعر عنده أن يكون سيئ السيرة، فاسد الخلق، وضيع النسب، بل يقيسه بالمقياس الفني وحده، وليس يؤثر عليه تشيعه، ولا أمويته، بل لا يمنعه ذلك من أن يقول الحق كل الحق، سواء كان القائل سنيا أو شيعيا؛ ولذلك كان الكتاب مصدرا تاريخيا يستدل منه على الأحوال الاجتماعية فى الجاهلية والإسلام، بل هو فى هذه الناحية أحسن من كتب التاريخ؛ إذ هي تعتمد على أخبار الخلفاء والأمراء الرسمية فقط، أما حالتهم الاجتماعية، وحالة الشعب من لهو وترف وغناء، وما إلى ذلك، فنستنبطها من «الأغانى» وأخباره، لا من كتب التاريخ.

وقد ذكر أنه ألفه لرئيس من رؤسائه، والظاهر أن هذا الرئيس هو الوزير المهلبي: فإنه كان يتصل به، ويؤاكله، ويحادثه، ويسمر عنده، ويروي الأخبار الأدبية له.

وعلى كل حال، فهذا الكتاب الذى ألف في القرن الرابع الهجري كان مصدرا لكل المؤلفين الذين جاءوا بعده، وقد بذل المعاصرون جهودا جبارة في تعرف النغمات التي ينص عليها في كتابه، ويحكي هيئاتها ليمكن ينتفع بالأصوات التي وردت فيها.

واعتمد عليه المستشرقون والشرقيون على السواء، وعلى الإجمال فهو نعمة من نعم القرن الرابع على الأدب.

وهناك نوع من الأدب لا بد أن نشير إليه مما نما فى هذا العصر، وهو النقد الأدبي.

وربما يمثله خير تمثيل أبو هلال العسكري، وقدامه، وابن رشيق، فأما أبو هلال العسكري فقد خلف لنا كتاب «الصناعتين»، ويعني بالصناعتين: صناعة النظم، والنثر، وقد سبقه إلى ذلك من غير شك بعض الكتاب، كابن سلام، وابن قتيبة.

وربما عدت كتابته في نقده من أحسن الأساليب وأرقاها، يسجع، ولكن لا يلتزم السجع، ويمتاز بالوضوح، ولكنه قد يجور في أحكامه النقدية؛ فهو يتحامل على المتنبي، ويفحص بإمعان عن مساويه، ولا يعلن محامده.

ومما ساعده على نقده معرفته الشعر، ومعالجته له؛ فهو كتاب أدب ونقد معا، وربما عد من عيوبه جنوحه إلى أن البلاغة في اللفظ دون المعنى، متبعا في ذلك نظرية الجاحظ؛ وهم يعللون ذلك تعليلا سخيفا بأن المعاني ملقاة في الطريق، كتشبيه الشجاع بالليث، والكريم بالغيث، أو نحو ذلك، كأن هذه هي كل المعاني، مع أن المشاهد أن المعاني يصعب العثور عليها، ويختلف الناس فيها، وربما كان متأثرا في ذلك بأساليب أهل زمانه، ككلام الصابئ، وابن عباد، والخوارزمي.

وعلى العموم، فقد تقدم النقد خطوة جديدة، فقد كان له لفتات طيبة مثل التفاته إلى التفرقة بين السهولة والليونة، فقد يكون الكلام جزلا، وهو مع ذلك ساحر، على كثير من مثل هذه النظرات؛ وهو فى نظراته يطبقها بأمثلة عديدة تركز المعنى الذي يريده.

وأما قدامة، فقد ألف كتابا في نقد الشعر، وكتابا آخر في نقد النثر؛ وهو يرينا فيهما مقدار تأثر علماء الأدب في ذلك العصر بالفلسفة اليونانية، والأدب اليوناني، وكثيرا ما ينحو منحاهم، في التقسيم والتجويف والتحديد، ولكنه دون أبي هلال العسكري في حسن التعبير، ورشاقة الأسلوب، وتغلب عليه عجمة الفلسفة ، وقد يكون أغزر علما، ولكنه أردأ تعبيرا.

وأما ابن رشيق، فهو مغربي الأصل، ألف كتابه «العمدة» يصف فيه الشعر، وأصول جودته، ويخالف أبا الهلال والجاحظ في أن عمدة البلاغة على اللفظ دون المعنى، بل يجعل البلاغة في إجادتهما معا، ويجدد فصولا، ويشعب البلاغة إلى نواح، لا نعلم أن أحدا سبقه إليها من قبل.

وهناك كتب أخرى في النقد، كالوساطة بين المتنبي وخصومه، والآمدي والمرزباني، لا نطيل في وصفها.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٥٨