ويطول بنا القول لو أننا عددنا الشعراء الذين نبغوا في هذا العصر مع تعدد نواحيهم ونبوغهم، وربما كان أدلهم على عصره أبو العلاء، والصنوبري، والمتنبي، وابن الحجاج، والشريف الرضي، فأبو العلاء ميزته أنه متشائم مسجل لرذائل قومه وزمنه، والصنوبري ميزته إعجابه بالطبيعة، والمتنبي قوي جبار، فارس في حياته، وفارس في شعره، معتد بنفسه، طموح مسجل لأكثر أحداث زمانه، وخاصة الحروب بين الصليبين وبين سيف الدولة، والشريف الرضي يمثل العظمة الأرستقراطية، والاعتداد بالنفس، والفخر بالنسب، يقول الشعر، ويتجاهل فيه أنه عائش في المدن، فيشعر في الفروسية، والحرب، والجمال، وكرام الخيل من مثل قصيدته المشهورة التي مطلعها:
لمن الحدوب تهزهن الأينق
والركب يطفو في الشراب ويغرق
وابتكر في هذا العصر الموشحات، وخاصة في الأندلس، وهي تتكون من أدوار، كل دور منها ذو أبيات مجزأة، توحد صدورها قافية، وتوحد أعجازها قافية أخرى، مع استقلال كل دور عن الآخر في قوافي صدوره، وأعجازه، ثم يختم كل دور بالقفل مثل:
رشيقة المعاطف
كالغصن في القوام
شهدية المراشف
كالدر في النظام
دعصية الروادف
والخصر ذو انهضام
حسنها أبدع
من حسن ذياك الغزال
أكحل المدمع ... ... ... ... ... إلخ
والموشحات نتيجة لحب الأندلسيين للسمر والموسيقى، وقد ساعد على ذلك ما للطبيعة من جمال، وقد تحرر فيها أصحابها من التزام القافية؛ وللمستشرقين أبحاث كثيرة في: هل أخدت من النوع المعروف عند الإسبان «بالطروبادور»، أو الإسبان أخذوها عن العرب؟
ولم يوصل إلى كلمة نهائية بعد في هذا الموضوع، ويقول ابن خلدون: «إن أول من اخترع الموشحات رجل اسمه «مقدم بن معافر الفريري، وكان من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، الذي عاش من سنة 507ه إلى 595ه»، ولكن رويت موشحات قبل هذا التاريخ.
ولم توضع قواعد للموشحات دقيقة، بل كان ناظموها يفهمون تقاليدها فهما عاما، حتى أتى ابن سناء الملك المصري، المولود سنة 550ه في القاهرة، وألف كتابه «دار الطراز في عمل الموشحات»، فوضح خصائصها، وعرفها بقوله: «الموشح كلام موزون على وزن مخصوص، وهو يتألف في الأكثر من سنة أقفال وخمسة أبيات، وفي الأقل من خمسة أقفال، وخمسة أبيات، والنوع الأول يقال له التام، والثاني يقال له الأقرع» مثل:
ضاق عنه الزمان
وحواه صدري
ضاحك عن جمان
سافر عن بدر
آه مما أجد
شفني ما أجد
قام بي وقعد
باطش متئد
كلما قلت قد
قال لي أين قد
ويلزم أن تكون الأقفال كلها متفقة في وزنها وقوافيها، وعدد أجزائها، وكل قافية في الموشح تسمى فقرة، وكل قفل مع البيت الذي يليه يسمى سمطا، وآخر قفل من الموشح يسمى «خرجة». ويفضل الوشاحون أن تكون الخرجة عامية؛ لأنها أظرف إلا في المديح. والموشحات صنفان: منها ما جاء على أوزان أشعار العرب، ومنها ما لم يكن على وزنها، فالأول كالموشحة التي مطلعها:
أيها الشاكي إليك المشتكى
قد دعوناك وإن لم تسمع
فإنها من بحر الرمل. والقسم الثاني: ما ليس على وزن أشعار العرب، وهم يفضلون القسم الثاني على الأول. وتمتاز الموشحة باللطف، وخفة الروح، وبعضها عميق المعنى، وعند ظهورها قوبلت باستحسان في الأوساط المختلفة، واعتمد عليها في الغناء، وتمتار بالتحرر من الوزن والقافية.
فالشعر كالنثر ظل للبيئة الاجتماعية، وإن اختلف الشعراء فيها بينهم، فاختلاف يرجع إلى طبيعتهم ومزاجهم، ولكن كلا يمثل عصره أصدق تمثيل.
وقد عني بعض الأدباء بتأريخ الأدب عن طريق تراجم الأدباء في الجاهلية والإسلام، وجمعها في كل العصور، وأشهر من فعل ذلك أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني»، وهو كتاب حافل، لم يؤلف مثله قبله ولا بعده، جمع فيه من الكلام على تراجم الشعراء الجاهليين، والإسلاميين، والعباسيين ما لم يجمع من قبل؛ ولذلك استغنى به بعضهم في رحلاته وانتقالاته عن كثير من الكتب، غير أنه لم يرتبه حسب تاريخ الزمن، ولا حسب الحروف الأبجدية، وإنما رتبه حسب الأصوات، فإذا جاء صوت ترجم لصاحبه، وبين نغمته، وطريقة غنائه، وأصل الكتاب أن الأغاني كانت قد جمعت، فأمر الرشيد باختيار مائة صوت منها، أي مائة دور، فجمعت له، فلما جاء الواثق أمر أن يختار له منها خيرها، وأن يبدل ما لم يستحسن بما هو أعلى منه، وأولى بالاختيار، وجاء من بعده ففعلوا هذا الفعل، فجمع أبو الفرج كل ذلك مبتدئا بأصوات الرشيد، وقد استرد في الأخبار حسب عادة المؤلفين في هذا العصر، وكان عالما بالغناء من بيت أدب وغناء، عالما بأيام العرب وأخبارهم، مما روي عن كثير من الثقات، ومما قرأ الكتب الموثوق بها، وقد كان قراء للكتب.