كذلك انتشر في هذا العصر كثير من القصص، فزادت ألف ليلة قصصا جديدة، ويحكون أن الجهشياري قام بتأليف كتاب على نسق ألف ليلة وليلة، اختار فيه ألف سمر من سمر العرب، وغيرهم، وكتب فيه أربعمائة وثمانين سمرة، وكان ينوي أن يجعلها ألفا، ولكن المنية عاجلته.
ومسكويه ألف كتابا في القصص اسمه «أنس الفريد»، وشاعت نوادر وحكايات كحكايات جحا، وقصة عاشق البقرة إلخ إلخ.
ومن الأسف أن طابع السجع والبديع الذي ابتلى به في الأدب في ذلك العصر ظل هو طابع الأدب العربي في العصور المتأخرة في كل فرع من فروعه إلى أن جاءت النهضة الحديثة، فقل أن نجد مبتكرا، أو داعيا إلى جديد.
ومع أنه ظهر كتاب آخرون على غير هذه الطريقة مثل: أحمد بن يوسف المعروف بابن الداية، ألف كتاب «المكافأة»، وهو على نمط خير من هذا النمط، راعى فيه جزالة التعبير، وقوة التفكير، أكثر مما راعى السجع، فإن طريقته المصرية لم تقلد، وإنما قلدت الطريقة العراقية كابن العميد، وابن عباد.
الشعر
كان للشعر في هذا العصر جولة عظيمة، ونلاحظ أنه كثرت عادة المقطوعات الصغيرة في وصف طرف صغيرة، كالذي نلاحظه في ديوان المتنبي، ففيه القصائد الفخمة على النمط القديم، وفيه المقطوعات الصغيرة في وصف مزهر، أو خيمة، أو تفاحة من عنبر، أو نحو ذلك، ونقرأ «يتيمة الدهر» للثعالبي المؤلفة في هذا العصر فنجدها مملوءة بالمقطوعات، والكتاب مملوء بتراجم الشعراء في كل مصر، ولكنه مع الأسف غني بالبديع اللفظي أكثر من عنايته بالتحليل النفسي، فغلبت عليه طريقة ابن عباد، والخوارزمي، والصابي، أكثر من طريقة أحمد بن يوسف، وأبي حيان.
وهو مملوء بمثل هذه المقطعات من مثل الرجل الذي يرثي قطته في قوله:
يا هر فارقتنا ولم تعد
وأنت عندي بمنزل الولد •••
وقد اختلفوا في أنها قيلت في القط حقيقة، أو في رثاء من يخاف رثاؤه.
على كل حال، عني شعراء هذا العصر بالتشبيهات، والاستعارات أكثر مما عنوا بجدة المعنى.
وظاهرة أخرى، وهي نبوغ الصنوبري الشاعر في وصف الطبيعية، وهو أيضا من نتاج مجلس سيف الدولة، وقد توفي سنة 334ه وتغنى بذكر حلب والرقة، وكانت له بمدينة حلب حديقة حول قصر فخم غرست فيها الأزهار، فكثر تغزله فيها مثل قوله:
يا ريم قومي الآن ويحك فانظري
ما للربى قد أظهرت إعجابها
كانت محاسن وجهها محجوبة
فالآن قد كشف الربيع حجابها
ورد بدا يحكي الخدود ونرجس
يحكي العيون إذا رأت أحبابها
والسرو تحبه العيون غوانيا
قد شمرت عن سوقها أثوابها
وكأن إحداهن من نفح الصبا
خود تلاعب موهنا أترابها
لو كنت أملك للرياض صيانة
يوما، لما وطئ اللئام ترابها
وكان يعتبر النرجس ملكا للأزهار، فمن قوله:
أرأيت أحسن من عيون النرجس
أم من تلاحظهن وسط المجلس •••
وله قصائد في وصف معارك بين الأزهار.
وربما عد الصنوبري نمطا غربيا في إكثاره من وصف الطبيعة من أزهار، وسماء، وضياء، وهواء.
وثار بعض الشعراء ككشاجم على طريقته، وأتى بعده من قلده.
وكان هناك قسمان من الشعر، قسم كلاسيكي كالذي ذهب إليه المتنبي، وأبو نواس، والشريف الرضي، وقسم شعبي، وذلك مثل بعض الشعراء المكدين الطوافين كالأحنف العكبري القائل:
على أني بحمد الله
في بيت من المجد
بإخواني بني ساسا
ن أهل الجد والجد
لهم أرض خراسا
ن فقاشان إلى الهند
إلى الروم والزن
ج إلى البلغار والسند
جذارا من أعاد لهم
من الأعراب والكرد
قطعنا ذلك النه
ج بلا سيف ولا عمد
ويقول:
العنكبوت بنت بيتا على وهن
تأوي إليه وما لي مثله وطن
والخنفساء لها من جنسها سكن
وليس لي مثلها إلف ولا سكن
ومثل الشاعرين الشهيرين ابن الحجاج، وابن سكرة، فقد أكثرا من الأوراق الشعبية في صراحة من غير كناية، أو تورية في العلاقات الجنسية، والفضلات البدنية بأقبح لفظ، وأسوأ تعبير، ولا نريد أن نمثل لهما، وكان ميل الناس في ذلك العصر إلى السخافة والشهوات سببا في نتاج هذا النوع من الشعر، والإقبال عليه.