ويقول الخوارزمي أيضا وهو قول مملوء بالمبالغة، والتكرار، والحشو، ويقصد إليها على أنها طريقة متينة في الكتابة، في إحدى رسائله: «فلان أبطأ علي، فليت شعري الريح قلعته، أم الأرض ابتلعته، أم الأفعى نهشته، أم السباع افترسته، أم الغول أغوته، أم الشياطين استهوته، أم أصابته بائقة، أم أحرقته صاعقة، أم رفسته الجمال، أم اغتاله الجمال، أم انتكس من على ظهر جمل، أم تدحرج من رأس جبل، أم وقع في بير، أم انهار عليه جرف شفير، أم شلت يداه، أم قعدت رجلاه، أم ضربه الجذام، أم أصابه البرسام، أم تاه في البر، أم أغرق في البحر، أم مات من الحر، أم سال به سيل زاعب، أم وقع فيه سهم من سهام الآجال صائب، أم عمل عمل أهل لوط، فأرسلت عليه حجارة من طين منضود، مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد».
فهذه عبارات جوفاء كلها مع طولها، يريد منها أن يقول: إنه غابت عنه رسائله، وهذا خذلان من الله، لا يكون إلا مع الفراغ في الفؤاد.
والصابي والخوارزمي أثقل من البديع، وهو أخف منهما روحا، وهكذا أقرأ هذه الرسائل كلها فينقبض صدري، ولا ينطلق لساني، وأصرف في الرسالة ساعة أو ساعتين، ثم لا أخرج منها بشيء في اليدين، وزاد الطين بلة الصاحب بن عباد المعاصر لهم، فقد كان يعزل الوالي أو يوليه؛ ليحصل من ذلك على سجعة، فلما أتى بعد ذلك القاضي الفاضل، والعماد الأصفهاني تمت هذه الكارثة، كارثة التقيد بالسجع، وأنواع البديع، وأثرت هذه المدرسة في كل كتاب القرون التي أتت بعد إلى النهضة الحديثة، اتجاه كلي إلى السجع والبديع، وفراغ كلي من معنى بديع.
وهذا من غير شك أصاب العقول فلم تأت بمعنى جديد، وقلما تأتي برأي سديد.
وربما كان أرقاهم في ذلك أبا حيان التوحيدي، فقد كان يجمع إلى السجع المزاوجة، وكانت غزارة معانيه، تلطف من طريقة عصره؛ ولذلك هو في نظري آدب أهل زمانه، بل ربما كان آدب من شيخه الجاحظ؛ لأن علوم زمانه التي استوعبها كانت أكثر من علوم الجاحظ.
ولكنه مع ذلك عاش هو وأستاذه أبو سليمان المنطقي فقيرين، أما أبو سليمان فكان عوره وبرصه مانعين له من الاختلاط بالأمراء، ومساعدتهم له، إلا أعطيات قليلة، كان يمنحها إياه عضد الدولة بن بويه، لما يستنجد به في دفع أجر بيته، وما استدانه لغذائه. وكذلك فعل الوزير ابن سعدان معه. وأما أبو حيان، فيظهر أنه كان مع فضله ثقيل الروح في محضره، وإن لم يظهر ثقله في كتابته، كان يعلم مقدار فضله وعلمه، ثم يرى نفسه بائسا، ويرى تفاهة من حوله وغفلتهم، وهم متبحبحون في معيشتهم، فيأبى إلا أن يشمخ عليهم، ويقدح بلسانه الحاد في أعراضهم، فحرم من أجل ذلك، حتى كان يأكل الحشيش من الصحراء، وحتى أنه كان إذا صلى في المسجد، ابتعد عنه الناس فلا يصلون بجانبه، إلا بقالا، أو زياتا، او إسكافيا.
وفيما عداه قد عمت طريقة الخوارزمي، والصابي، وبديع الزمان، فعمت بذلك البلوى.
ومما يلاحظ في هذا العصر ما ذهب إليه الكتاب مما يشبه الكتابة اليونانية من تضمين كتبهم قصصا كثيرة، أو إشارات إلى أحداث تاريخية، كإشارة البديع إلى حكاية التاجر مع ولده، وإشارته إلى قصص أخرى مشهورة في زمنه.
ومما يلاحظ أيضا أن اللغة العامية أصبح معترفا بها، يبحث في ألفاظها وأساليبها، وينتقي منها خيرها، إلا بعض علماء كأبي العلاء المعري، فقد كان واسع الاطلاع على اللغة، مولعا بالغريب، حتى إذا كان المعنى الواحد يمكن أداؤه بعبارات واضحة، وبعبارات غامضة ذات ألفاظ غريبة اختار الثانية، كما نرى في «رسالة الغفران»، كقوله: «وا أسفي لفراق سيدي الشيخ - أدام الله عزه - أسف ساق حر، ساقه الطرب إلى الحر، توارى بالوريقة من حر الوديقة، كأنه قينة وراء ستر، أو كبير حجب من الهتر، في عنقه طوق، كرب يفصمه الشوق، لو قدر لانتزعه باليد، من المقلد، أسفا على إلف، غادره للكمد أي حلف، أرسله فهلك نوح، فالحمائم عليه تنوح، يسمعك بالفناء، أصناف الغناء، ويظهر في الغصون، جني الوجد المصون»، وهكذا اعتادوا البدء بالكلام عن الشوق للمرسل إليه، وكتابته على هذا النوع سمجة أيضا كالنوع الأول؛ غير أنه إذا كانت سماجة أبي العلاء كلاسيكية، فسماجة البديع سماجة رومانتيكية، ولا يعذر أبو العلاء في ذلك، إلا إن كان يرمي لتعليم اللغة.