وإذا كانت بيوت الأغنياء يعنى فيها بالأثاث الجميل، والرياض الفاخرة، غني الأدباء بتجميل أدبهم، بالسجع والمزواجة، وغيرهما من أنواع البديع ... إلخ إلخ.
لقد زها الأدب في هذا العصر، وانقسم الأدب إلى قسمين: نثر، وشعر، وقد قسم النثر في ذلك العصر إلى قسمين واضحين: سمي أحدهما السلطانيات، وهي المكاتبات الرسمية التي تصدر من عامل إلى عامل، أو من وزير إلى عامل، أو من خليفة إلى عمال، وهكذا؛ وقسم يسمى الإخوانيات، وهو ما يصدر من صديق إلى صديق، أو من أستاذ إلى تلميذ، أو من تلميذ في المسائل الخاصة، وقد نبغ في النوعين أول الأمر رجلان كبيران: أحدهما: أبو هلال الصابي، والثاني: أبو بكر الخوارزمي، فكلاهما كان شيخا لهذه الصناعة، وقد التزما السجع تقريبا، لسببين: الأول: دخول النصارى في الإسلام، وقد كانوا يستعملون السجع في الكنائس؛ والثاني: حبهم للطريف من الأشياء. ولا شك أن السجع أطرف من الكلام المرسل، يضاف إلى ذلك ما حدث في تاريخ كل أنواع البديع، فقد بدأ العرب في الجاهلية يستعملونه كالملح في الطعام، ثم زاد في العصر العباسي شيئا ما، ثم عم في الكتابات في عصرنا هذا.
ومن حسن الحظ أن لدينا الآن مجموعة من رسائل الصابي، والخوارزمي تقرؤها، فكأنك تنظر إلى قطعة من الزجاج المموه، أو الخشب المخروط، فأما الصابي، المتوفى سنة 384ه، فكان صابئا كلقبه، وعرضت عليه الوزارة إن أسلم فأبى، وكان يفتخر بقدرته الفائقة على الكتابة، ويقول:
وقد علم السلطان أني أمينه
وكاتبه الكافي السديد الموفق
فيمناي يمناه، ولفظي لفظه
وعيني له عين بها الدهر يرمق
ولي فقر تضحي الملوك فقيرة
إليها لدى أحداثها حين تطرق
وكل كتاباته مسجوعة، سواء كانت رسائل سلطانية أو إخوانية.
وأنا شخصيا أستسمج كتاباته، وكتابة الخوارزمي، ومن نحا نحوهما، وأرى أنها جعجعة ولا طحن، وألفاظ جوفاء، ولا معنى.
وأما الخوارزمي، فقد رحل كثيرا إلى الأقطار، وعد شيخ الأدباء، واعترفت له الأقطار المختلفة بالفضل والبلاغة، حتى جاء بديع الزمان الهمذاني، وكان شابا حدثا، والخوارزمي شيخا، فنازل الشيخ نزولا عنيفا، فانقسم الناس فريقين: فريق يحترم الخوارزمي وشيخوخته، وفريق يناصر بديع الزمان وجدته.
وأخيرا، مات الخوارزمي محزونا، وقد استطاع البديع أن يطلع على الناس بأشياء جديدة لم يكن يحسنها الخوارزمي، كالمقامات، وكتابة الرسائل التي كل حروفها معجمة أو مهملة، أو رسائل إذا قرئت من أولها إلى آخرها كانت سؤالا، وإذا قرئت من آخرها إلى أولها كانت جوابا، أو رسالة لا يوجد فيها حرف منفصل كالراء والدال، أو رسالة كل سطورها مبدوءة بالميم، أو أبيات إذا فسرت بطريقة خاصة كانت مدحا، وإذا فسرت بطريقة أخرى كانت ذما، وهكذا مما تجده في رسائله ومقاماته.
ولم يكن الشيخ الخوارزمي يعرف شيئا من ذلك، إنما كان يعرف الرسائل المألوفة المعتادة، فهزمه البديع لشبوبيته، وتفننه.
وأسوق إليك مثلا أو مثلين من الرسائل التي كانت تعجب هذا العصر، وتملؤه فخرا، مثل ما كتب الخوارزمي يصف بؤسه، وتغير الناس عليه، «وأصابني البؤس حتى لقد ركبت غير دابتي، وأكلت غير نفقتي، ونزلت بيتا بالكرا، وأكلت خبزا بسرا، ولبست الصوف في الصيف، والبردي في الخريف، وكوتبت مواجهة، وخوطبت بالكاف مشافهة، وأجلست في صف النعال، أعني أخريات الرجال، وناظرني من كان يدرس علي، وخالفني من كان يختلف إلي، وحتى لقد نشزت علي جاريتي، وحزنت علي دابتي، وتقدمني في المسير رفيقي، الذي جمعني وإياه طريقي، وحتى أني أخذت الدرهم الجيد، فصار في يدي ستوقا، وقطعت الثوب المشترى، فصار على بدني مسروقا، وسافرت في حزيران فعصفت الريح، وسد الأفق الضباب، وفقدت كل شيء ملكته غيرعرضي، الذي عهده الشيخ معي، وصبري الذي عرفه مني».