ومما يؤسف له أن مدرسة القياس هذه لم تستمر تؤتي أكلها، فذهبت مع ذهاب المعتزلة؛ لأن مدرسة المعتزلة كانت تحث على البحث، والتجربة والشك، والاستدلال العقلي، فلما ذهبت ذهبت آثارها؛ ولذلك ذهبوا إلى أن اللغة ليست توقيفية، وإنما هي اصطلاحية؛ ليحرروا أنفسهم إذا قالوا إنها توقيفية، وربما كان لاعتزال الزمخشري أيضا أثر كبير في قدرته الفائقة في البلاغة، ودراسة الأساليب، والتحرر من المنقول.
وإذا نحن سرنا على أثر هذه المدرسة استطعنا أن نكمل ما نجده من نقص في اللغة، فإذا وجدنا مصدرا لم يذكر فعله ذكرناه بالقياس، وإذا وجدنا مذكرا لم يذكر مؤنثه فكذلك؛ وإذا وجدنا فعلا لم يذكر بابه اجتهدنا في ذكر ذلك قياسا، كذلك إذا وجناهم يشتقون وزنا خاصا للدلالة على شيء، أمكننا أن نقيس عليه، فإذا وجدناهم مثلا يصوغون «فعال» للدلالة على محترم الحرفة، كنجار، وخباز، وحداد، وقفال؛ أمكننا أن نقيس عليه من أسماء أصحاب المهن التي لم يذكرها العرب، كذلك يمكننا إذا تذوقنا الذوق العربي تذوقا تاما، وعرفنا كيف كانوا يضعون الألفاظ أمكننا أن يضع العلماء مثلهم فيما هم في حاجة إليه» ... إلخ.
وعلى كل حال، فمدرسة القياس ترى أن اللغة ليست مقدسة، وأنها ملك للناس لا أن الناس ملكها، ويمكننا أن نصحح ما فيها من أخطاء، ونبين ما حصل فيها من تصحيف، ونصحح الأخطاء التي وردت في معاجم اللغة، مما ورد خطأ من تصحيف، أو من لثغة ألثغ، أو نحو ذلك.
ومن خير ما ألف في اللغة أيضا في ذلك العصر كتاب «مقاييس اللغة» لابن فارس المتوفى سنة 395ه، وقد نحا فيه نحوا جديدا، فقد استخلص من معاني الكلمة المختلفة معنى واحدا، أو معنيين، جعله أساسا للكلمة، ونص عليه، وبين أن الاشتقاقات المختلفة تدور حوله، مثال ذلك: «وجب»، قال: الواو والجيم والباء أصل واحد يدل على سقوط الشيء، ووقوعه، ثم يتفرع، يقال: وجب البيع وجوبا، حق ووقع، ووجب الميت سقط، والقتيل واجب؛ وفي الحديث: «إذا وجب فلا تبكين باكية»، إي إذا سقط.
وقال الله في النسك: «فإذا وجبت جنوبها»، قال قيس:
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم
عن السلم حتى كان أول واجب
ووجب الحائط: سقط. «وجبة»: يقولون الوجب الجبان. قال الشاعر:
طلوب الأعادي لا سلوم ولا وجب
سمي به لأنه كالساقط، ويقولون: الموجب، للناقة لا تنبعث من كثرة لحقها، وأما وجيب القلب فمن الإبدال، أصله وجيف، وهكذا، فهو كما ترى يؤول المعاني كلها إلى معنى واحد.
ونلاحظ عليه الصفاء والإيجاز، وعدم السفسطة، ولم يكتفوا بجمع الألفاظ، بل جمعوا أيضا الأساليب، كالذي نرى في كتاب «كفاية المتحفظ»، وكتاب «الألفاظ الكتابية» للهمداني، مثل: الأساليب التي تقال في لم الشعث، والتي تقال في الدلالة على الشجاعة، أو الجبن، أو نحو ذلك.
ومما فعلوه أيضا جمع الأمثال، وترتيبها حسب الحروف الأبجدية، كما فعل الميداني في كتابه «مجمع الأمثال»، وقد أخذ كل كتابه تقريبا من كتاب في الأمثال لحمزة الأصفهاني، لم يزد عليه في كل باب إلا مثلا أو ثلاثة، ولكن حظ كتابه كان أكبر من حظ حمزة.
الأدب
لو رجعنا إلى الفصل الذي كتبناه عن الحالة الاجتماعية في العصر العباسي أول هذا الكتاب، وجدنا الأدب كله بأنواعه صدى لهذه الحياة الاجتماعية، فلما أفرط الأمراء في الظلم، والاستبداد، ومصادرة الأموال، كان طبيعيا أن ينقسم الشعراء إلى قسمين: قسم يلهو معهم، وينتفع بما لهم، فيمدحهم، ويقلب سيئاتهم حسنات، وهذا هو الكثير، كالمتنبي، وأبي فراس، والناشئ ، والخالديين، وغيرهم. وقسم تمنعه نفسه من الملق، وطبعه من التقرب كأبي العلاء الكفيف، فيتخذ خطة أخرى، وهي الذم والقدح؛ وكذلك انقسم الشعر والشعراء.
وإذا كانت الحالة الاجتماعية تنقسم إلى طبقات كالتي ذكرنا، طبقة غنية كل الغنى، وطبقة فقيرة كل الفقر، وجد المستجدون الكثيرون؛ وكان منهم أدباء، ولهم لغة وطريقة، كلغة الأدباتية اليوم؛ حكاها لنا الثعالبي في «اليتيمة»، الذي له الفضل الأكبر في تاريخ أدب المائة الرابعة، ومن أظهرهم في ذلك رجل يسمى أبا دلف، كانت له طريقة خاصة في الاستجداء، وقد ذكره البديع في مقاماته؛ فكان هذا الضرب من الحياة الاجتماعية مبعثا لوجود مقامات البديع، ومقامات الحريري؛ ووجود الجواري الجميلات، وكثرة ملك اليمين، وكثرة الغلمان الأرقاء في يد الناس أوجد الغزل في المذكر والمؤنث؛ وكثرة الشراب كانت سببا لكثرة القول فيه.