تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال جد العلماء مشكورين في جمع اللغة من أفواه العرب؛ فوقف من بعدهم فريقين: قوم يقفون عندما قال العرب، وقوم يجتهدون، فيقولون مثلا: إن العرب أحيانا كانت تخطئ، فلا يصح أن نجاريهم في خطئهم. فمثلا: إنهم عدوا بعض الحيوانات من صنف السمك لما رأوه يشبهه، ولكن علماء الحيوان بفصحهم له رأوه من ذوات الثدي، فعدوه من قبيل الخيل، لا من قبيل السمك، فكيف نجاري العرب في ذلك مع خطئهم؟ وعدوا الأجرام السماوية أجساما حية لها نفس كنفس الإنسان لما رأوا من تحركها من غير محرك؛ فلما اكتشف قانون الجذب، وتقدم العلم كشف أنها ليست بذات نفس، وإنما هي مادة جامدة كالأرض، وكانوا يعتقدون في بناء الأهرام عقائد خرافية، في من بناها ... إلخ.

وأثبتوا ذلك في معاجمهم؛ حتى أتى العلم الحديث فأبان خطأهم، وأحيانا يخطئون فيصفون الناقة بصفات الجمل حتى نقدهم بعضهم فقال: «استنوق الجمل»، وهكذا، فلماذا نقدس القديم لأنه قديم، ولا نعمل عقولنا فنصححه؟ بل ذهبوا إلى أن اللغة توقيفية، فاستنتجوا من ذلك عدم التعرض لها مهما كانت مخطئة؛ ومن هذا القبيل ما حكي عن الأصمعي، وابن الأعرابي ، وأبي زيد، فلم يكونوا يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا كلمة أو يشتقوا اشتقاقا إلا عن سماع به؛ حتى جاء أبو علي الفارسي، فأعلن القياس، والثورة على القديم، ولعل ذلك لأنه فارسي الأب والأم، ولأنه معتزلي.

وعاصره في ذلك أبو سعيد السيرافي، وكان أبو سعيد زعيم المحافظين، وأبو علي زعيم الأحرار في اللغة؛ فكان الناس يقولون: أبو سعيد أكثر رواية، وأبو علي أكثر دراية. ومن أقوال أبي علي: لأن أخطئ في خمسين مسألة مما بابه الرواية أحب إلي من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية. وكان يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، فإذا عربت كلمة أعجمية أجريت عليها أحكام الإعراب، وعددتها من كلام العرب، وأجزت الاشتقاق منها، كما عرب العرب لفظة الدرهم، واشتقوا منها درهمت الخبازي، أي صارت كالدراهم، وقالوا: رجل مدرهم: أي أكثرت دراهمه. وكان يقول: لو شاء شاعر أو ساجع أن يبني من كلمة اسما وفعلا وصفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب، وذلك نحو قولك: خرجج أكثر من دخلل، فقال له تلميذه ابن جني: أفترتجل اللغة ارتجالا؟ قال: ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلامهم، فهو إذن من كلامهم، ثم قال: ألا ترى أنك تقول: طاب الخشكنان، فتجعله من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به؟ فرفعك إياه دليل على أنك أخضعته لكلام العرب.

وكان من رأيه أن الألف اللينة في الكلمة الثلاثية تكتب ألفا مطلقا، سواء كان أصلها واوا أو ياء؛ حملا للخط على اللفظ.

وجاء بعده تلميذه ابن جني فرفع لواء هذا المذهب، وكان أيضا من نسب رومي، وفاق أستاذه في الاشتقاق، وقال فيه المتنبي: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس، وكتابه «الخصائص» يدل على جرأته وقياسه، كما يدل على تذوقه للغة، وفهم أسرارها، ومحاولة فلسفتها؛ وقد صحب أستاذه أبا علي أربعين سنة، واستوعب علمه، وزاده تفصيلا وتعليلا وتذليلا. وقد رأى أن الفقهاء قبله وضعوا للفقه أصولا، وأن المتكلمين وضعوا لكلامهم أصولا؛ فأراد أن يضع للغة والنحو كذلك أصولا، ونجد بعض هذه الأصول في كتابه «الخصائص»؛ وكان مما وضعه أيضا الاشتقاق الكبير، وهو الذي سماه بهذا الاسم، وكان أصل الفكرة لأستاذه أبي علي، فجاء ابن جني فوسعها، وقال: إن أبا علي - رحمه الله - كان يستعين بالاشتقاق الكبير، ويخلد إليه وسماه؛ وكان يعتاده عند الضرورة، ويستريح إليه.

ويعني بالاشتقاق الكبير: حصر أصول الكلم، وتقليبها على وجوهها المختلفة، واستخراج التباديل والتوافيق منها، والمقارنة بينها في المعاني، مثل كلمة (كلم)، فتحولها إلى كمل، مكل، ملك، لكم؛ ونمعن النظر فيها لنعرف وجه الشبه بينهما، فنستخرج مثلا أن هذه الحروف إذا اجتمعت دلت على القوة؛ ونستخرج معنى القوة من كل هذه الألفاظ.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٥٢