هذا إلى أن الحضارة، واتساع المملكة الإسلامية جعلهم يقفون على أنواع من النبات، والحيوان، والطعوم، وسائر مرافق العمران، وأدخل اللغويون كل ذلك في معاجمهم؛ فالعرب في الجزيرة لم يكونوا يعرفون الهرم ولا البرابي، ثم إن كل بلد مفتوح أدخل على اللغة كلمات استعملها العرب الفاتحون، وأدخلوها في لغاتهم، بل واشتقوا منها، فمثلا: لما فتح العرب مصر، عربوا كثيرا من أسماء البلدان كبنها، والفيوم، ودمنهور، والإسكندرية، وغير ذلك، وأدخلوا في اللغة من مصر كلمة بطاقة، وهي يونانية الأصل، واستعملوا منها منشار، وهي مصرية الأصل، واشتقوا منها نشر ينشر نشرا إلخ. ثم كان العلماء القياسيون كأبي علي الفارسي، وابن جني توسع في الاشتقاق كبير أدخل كلمات كثيرة لم تكن ينطق بها إلى غير ذلك.
وكان من مظاهر هذا العصر انتشار اللغة العامية بجانب اللغة الفصحى، فكان لكل إقليم إسلامي لغته، ولهجته الدارجتان.
وتميزت اللغة العامية عن الفصحى، وجرتا جنبا إلى جنب، يتكلم أكثر الناس العامية، وأقلهم اللغة الفصحى، وكان هذا التمييز واضحا في أشياء.
قلب أكثر الكلمات التي تحتوي على الصاد سينا، كصراط وسراط، وأهمها إسكان آخر الكلمات؛ لأن الإعراب الصحيح لا يتقنه إلا سكان البوادي من الأعراب، والمتمرنون على الإعراب تمرنا كبيرا، ثم من مميزاتها عدم التفريق الدقيق بين المثنى وجمع المذكر، وجمع المؤنث، ومنها قلب الضاد ظاء أحيانا، ودالا ثخينة أحيانا. وبلغ من غرابة اللغة الفصحى عندهم أنهم كانوا يدعون أمثال المتنبي متقعرا، وكان يعد فصيحا من سلم من الخطأ في مراعاة الإعراب والتصريف، وتجنب العبارات الدارجة؛ وحتى اللغة العامية ظهرت في أشعار القرن الرابع الهجري، وخصوصا لغة بغداد، لكثرة لغتها الفارسية مثل كلمة لقلق، وصوابها لقلاق، ونرى كثيرا من ذلك في شعر ابن حجاج. وساعد على انتشار اللحن عهد السلجوقيين، فإنهم لم يكونوا يحسنون الثقافة العربية، ولا الأدب العربي كما كان يحسه الأمويون من قبل.
وظاهرة أخرى أشرنا إليها من قبل، وهي: توسيع اللغة عن طريق القياس، والتوسع في الاشتقاق قياسا، وكان رافع علم هذه المدرسة أبا علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، فكان موقفهما من اللغة موقف أبي حنيفة، ومدرسته في الفقه، وقد كان كل منهما معتزليا؛ فمكنهما اعتزالهما - كما نعلم من مدرسة المعتزلة - من التحرر، وإخضاع اللغة لحكم العقل.
خرج هذان العالمان الجليلان على الناس بطريقة جديدة، تخالف طريقة الآخرين المحافظين: فقد كان المحافظون يميلون إلى السير على القديم من غير تفكير في تغييره، ولا الخروج عليه؛ يدعوهم إلى ذلك، إما خمودهم الذهني وإما حب السلامة، وما يستدعيه التجديد من التعرض للنقد، وإما إخلاصهم للقديم، وإجلالهم له عن عقيدة، وذلك شأن الحياة كلها: أحرار، ومحافظون؛ وأهل نقل، وأهل رأي، وهؤلاء أهل الرأي، من طبيعتهم أن يردوا ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، كما فعل الفقهاء الحنيفة تماما.
وكذلك فعل الشعراء؛ فمنهم من لا يستعمل الكلمة إلا إذا ثبتت عنده في اللغة، ومنهم من يجرؤ فيبتكر الكلمة، أو يقيسها على غيرها، هذا رؤبة يخلق بعض الكلمات، كما حدثوا، وهذا بشار بن برد يرى أن العرب تصوغ فعلى من الفعل للدلالة على السرعة، فقالوا مثلا: حجلى دلالة على سرعة السير، فقال هو:
والآن أقصر عن سمية باطلي
وأشار بالوجلى علي مشير
وقال:
على الغزلى مني السلام، فربما
لهوت بها في ظل مخضلة زهر
فعابه المحافظون على ذلك، لم يسمع من العرب لا وجلى، ولا غزلى، فلم يعبأ بهما. وحكى ابن قتيبة قال: قال الخليل بن أحمد: أنشدني رجل: ترافع العز بنا فارفنععا ... فقلت: ليس هذا شيئا. فقال: كيف جاز للعجاج أن يقول: تقاعس العز بنا فاقعنسسا، ولا يجوز لي ذلك؟