وقد تضخمت معاجم اللغة في هذا العصر، وما بعده لأسباب كثيرة؛ منها أن جامعي اللغة قيدوا في معاجمهم اللهجات، ولم يكتفوا بلهجة واحدة، مثل: أن يؤلف عالم معجما للغة الشعبية المصرية، فيقيد قال، وجال، وآل، كل في بابه وفصله، وكلها في الأصل كلمة واحدة، اختلف النطق بها، فقد تنطق قبيلة بكلمة، وتنطقها قبيلة أخرى بلهجة أخرى؛ فيقيدون ذلك كله.
فمثلا قبيلة تقول: أن وأخرى تقلب الهمزة عينا، فتقول في أن، عن، وفي أن ، عن، وبعض القبائل يقول شجرة، والبعض الآخر يقول: شيرة، وهكذا المعاجم مملوءة بهذا الضرب.
ومنها أن بعض القبائل كان ينطق بالكلمة مقلوبة، أو متغيرة حروفها، فيقولون في جذب، جبذ، ومنها أن الجامعين الأولين للغة كانوا يجمعون حيثما اتفق، غير منبهين في الغالب على أن هذه الكلمة تستعملها القبيلة الفلانية، والكلمة الأخرى تستعملها القبيلة الفلانية، وجرى من بعدهم على أثرهم، فبعض القبائل يستعمل كلمة البر، والبعض الآخر يستعمل كلمة القمح، وبعضهم يستعمل كلمة بئر، وبعضهم يستعمل كلمة قليب، ومن استعمل كلمة منهما لم يستعمل الأخرى، فأتى الجامعون، فجمعوا كل ذلك، مما كان نتيجته كثرة المترادفات.
ومن الأسباب توسع بعض الأعراب في المجاز، فمثلا: سموا الثياب القصار مقطعات، بل سموا كل ما يفصل ويخاط من قميص، وجباب، وسراويل مقطعات.
ثم تجوزوا فسموا الحديد المتخذ دروعا، أو سلاحا مقطعا، وقالوا: قطعت الحديد، أي صنعته دروعا، وغيرها من السلاح، كأنه ثياب، ثم تجوزوا، فسموا الأشعار القصيرة، مقطعات وهكذا، ومنها أن بعض جامعي اللغة لم يكن يتحرى في جمعه؛ بل كان يدور كل ما سمع، سواء سمع من ثقة أو غير ثقة، ولم يكونوا يتحرون تحري المحدثين، فكان بعضهم يسمع امرأة تقول قولا، وقد تكون هازلة أو غير ثقة، فيدون ما سمع، ثم يثبت ذلك في معجمه، كالذي يروي أن امرأة سئلت: كيف مطركم؟ فقال: غثنا ما شئنا: أي أنزل الله علينا من الغيث بقدر ما نشاء، ولم يسمع من غيرها غثنا بهذا المعنى، فدون ذلك في المعجم، بل قد يسمعون من صبي يلعب، أو من صبي يلثغ، فيدونون ما سمعوا، كما روي أن بعض الصبيان كانوا يلعبون بالزحلوقة وينشدون:
لمن زحلوقة زل
بها العينان تنهل
ينادي الآخر الأل
ألا حلوا ألا حلوا
فكلمة الأل بمعنى الأول، لم تسمع إلا من هؤلاء الصبيان، ومع ذلك دونت في المعاجم، بل قد عقد اللغويون بحثا فى هل يأخذون اللغة عن المجانين أو لا، فرووا أن مجنونا كان يرقص ابنته ويقول:
محكوكة العين معطاء القفا
كأنما قدت على متن الصفا
تمشي على متن شراك أعجفا
كأنما تنشر فيه مصحفا
وقد سئل فيهما الأصمعي فقال: أحسب أن ناظم البيتين نفسه لا يعرف معناهما، وسئل أبو زيد الأنصاري عنهما، فقال: إنهما لمجنون، ولا يعرف كلام المجانين إلا مجنون. وزاد الطين بلة أن بعضهم كان يأخذ اللغة من الصحف، فيصحفها، ومن أدلة ذلك مثلا: أننا نجد في القاموس المحيط كلمة: بجد، كعصفور: بزر قاطونا، ونجدها في لسان العرب بخدق، وفي المزهر بحدق، وفي أقرب الموارد يحذف، وهكذا كلمات كثيرة من هذا الطريق.
ومن غريب الأمر أن بعض جامعي اللغة يدون الأصل والتصحيف معا، فكان هذا أيضا سببا من أسباب التضخيم، ومن الأسباب كذلك تعرض المتأخرين من رجال اللغة لما ليس لهم به علم، ثم يطيلون فى ذلك، فيقول صاحب القاموس مثلا: إن الهرمين بناءان أزليان بمصر، بناهما إدريس - عليه السلام -؛ لحفظ العلوم فيهما من الطوفان، أو بناء سنان بن المشلشل، وهكذا في كثير من الأحيان يقفون موقف المؤرخ، أو الفلكي، أو النباتي، أو عالم الحيوان، أو غير ذلك، كأنهم يدعون أنهم يعلمون كل شيء، وليس هناك اختصاص.
ومما زاد تضخم معاجم اللغة انتقال اللغة من البداوة إلى الحضارة، فالحضارة غيرت معاني بعض الكلمات، ومكنت علماء اللغة من زيادة الشرح، ومن زيادة بعض الأوصاف على تعريف بعض الكلمات.