لا يوجد إلا قانون أخلاقي واحد، هو قانون الحب العام الذي ينبع من إنكار الذات، ويزهر بالإحسان، قد تكون هناك مبادئ أخلاقية كثيرة، ولكن أساسها واحد، هو الحب، وهذا الحب مبعث الأمل، والصبر، والاحتمال، والتسامح، وكل الفضائل، والكرم، والسماحة، والإحسان، كلها صادرة من الحب، وكل الرذائل والجرائم تنشأ عن نقص في الحب . يقولون: إن الحب أعمى، وهذا خطأ فالحب ضوء النظر؛ العين ترى ما على السطح، ولكن الحب يرى العمق.
إن النار التي لم تشتغل تماما لا ينشأ عنها إلا الدخان، ولكنها إذا اشتعلت كان منها النار والضوء، فكذلك القلب إذا أحب، أو لم يحب. (8)
لا يوجد إلا شيء واحد يستحق الثناء، وهو الجمال الذي يرفع القلب من الحضيض إلى أن يبلغ أعلى السماء، والإنسان من تحلى بنفس جميلة تحب الجميل، وهو يبتدئ بحب المادة، وينتهي بحب المعنى، يبتدئ بحب المنظور، وينتهي بحب غير المنظور. (9)
ليس هناك إلا حقيقة واحدة هي: معرفتك نفسك، كما قال الإمام علي: «اعرف نفسك تعرف ربك». (10)
إذا كانت هناك طلاق عديدة توصل إلى الله، فهناك طريق مستقيم واحد، وهو الطريق الذي تمحي فيه الأنانية والأثرة، وتسكن فيه الفضيلة والكمال، وهو الطريق الذي تمحي منه الرغبات الجسمية، والأوهام العقلية.
هذه هي المبادئ العشرة الصوفية كما شرحها أحد المتصوفة المحدثين، ترجمناها عن الإنجليزية، وإن اختلف الصوفية في شيء، ففي إمعان بعضهم في بعض المبادئ دون بعضها، وهي تعبر عن روح التصوف الحقيقي في العصور المختلفة، ولكن يعرض لنا سؤال صعب، وهو: هل المتصوف برياضته وتمرنه يرى حقائق خارجية، أو يرى أوهاما داخلية، جلبها إليه التعود، وانحراف الذهن؟
سؤال صعب، ومما يجعله أكثر صعوبة أن أغلب من تصوف لم يستطع أن يكتب، ومن لم يتصوف لم يذق، حتى يستطيع أن يصف. والذي يجعلنا أقرب إلى أن نقول: إن الصوفي يرى أشياء خارجية، إن المتصوفين في جميع الأقطار والعصور يصفون مناظر متشابهة، أو كالمتشابهة، ولو كانت الأمور قاصرة على مجرد خيالات وأوهام، لرآها كل متصوف بعينه وخده، ولم يشترك معه غيره كما هو الحال في أصحاب الكيوف.
ولذلك يفهم الصوفية بعضهم بعضا، في المشرق والمغرب، وكلهم يقول: إن اللغات تعجز عن الوصف بعد الوصول إلى حد من المعرفة، وهم يتداولون العبارة المأثورة وهي: «وهناك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
ومن الأدلة على ذلك أن هناك بعض الصوفية الصادقين أمثال الغزالي، ومحيي الدين ابن العربي - وكانوا في حياتهم العادية صاحين واعين - يؤلفون في المسائل العلمية، كما يؤلفون في التصوف، فإذا ألفوا في الحياة العلمية كانوا صاحين متنبهين دقيقين، وإذا ألفوا في التصوف غلبهم العشق، والهيام، والرمز؛ ولو كانوا قد جنوا ما استطاعوا أن يؤلفوا في العلم، فالعقل لا يتجزأ.
على أنه والحق يقال، قد بدأ علماء النفس في العصور الحديثة يدرسون التصوف على أنه ظاهرة نفسية لها خصائصها؛ ولكن بدءوا دراستهم من عهد قريب، ولما يقطعوا أمدا بعيدا في ذلك.
الفصل الثالث
| اللغة والأدب
في هذا العصر تحولت معاجم اللغة إلى جهة جديدة، على يد الجوهري صاحب «الصحاح»، ذلك أن المعاجم التي قبله كانت صعبة التناول؛ لأنها كانت مثلا ككتاب «العين»، ترتب الكلمات على حسب مخارج الحروف، مبتدئة بالعين، ولذلك سمي الخليل كتابه «العين»، ثم يذكر الكلمة، ويذكر مقلوباتها، وينص على أن هذه الكلمة مهملة لم تستعمل أو مستعملة.
وجرى ابن دريد هذا المجرى في «جمهرته»، فكان الكشف على الكلمات صعبا جدا، فأتى الجوهري صاحب «الصحاح» فرتبه على حسب حروف الهجاء، تاركا المهملات، جاعلا الحرف الأخير بابا، والحرف الأول فصلا، فسهل على الناس الكشف عن الكلمات. وجرى بعده كثير ممن ألف في معاجم اللغة مثل: «القاموس»، و«لسان العرب»، و«مختار الصحاح»، وغيرها، وأكمل الجوهري بعض ما فات بمشافهة العرب، وسماعه منهم؛ وبذلك فتح في القرن الرابع الهجري فتحا جديدا، وزاد على علماء اللغة السابقين في تحديد معنى الكلمات، والإمعان في الاشتقاق.