سبحان من أظهر ناسوته
سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا لخلقه ظاهرا
في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه
كلحظة الحاجب بالحاجب
وأما الفناء، فيقصدون به الحال التي تتجرد فيها النفس عن رغباتها وميولها وبواعثها، بحيث تتعطل إرادتها وتموت، فإذا ماتت الإرادة الإنسانية، أصبحت النفس طوع الإرادة الإلهية، تحركها كيف تشاء، وهذا هو حب الله لها، ولكن الحب والمحبوب شيء واحد، هو جوهر النفس وباطنها، وهكذا نجد العابد والمعبود، والعاشق والمعشوق، متحدين في شخصية واحدة، يقول ابن الفارض:
كلانا مصل واحد ساجد إلى
حقيقته بالجمع فى كل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن
صلاتي لغيري فى أدى كل ركعة
قال السراج: معنى الفناء فناء صفة النفس، وأيضا الفناء هو فناء رؤيا العبد في أفعاله لأفعاله بقيام الله له في ذلك، ويقول في موضع آخر: «هو ذهاب القلب عن حس المحسوسات، وهو يحصل تدريجا على مراحل خمس؛ الأولى: ذهاب حظه من الدنيا والآخرة بورود ذكر الله. الثانية: ذهاب حظه عن ذكر الله تعالى عند حظه بذكر الله تعالى له. الثالثة: فناء رؤية الله تعالى له حتى يبقى حظه بالله. الرابعة: ذهاب حظه من الله تعالى برؤية حظه، أي حظ الله. الخامسة: ذهاب حظه برؤية حظه لفناء الفناء، وبقاء البقاء ... إلخ إلخ».
وأما الحب، فقد روي عن رابعة العدوية أنها كانت تتوسل إلى الله ألا يحرمها مشاهدة وجهه الكريم، وجماله الأزلي، ويقول معروف الكرخي: «إن الحب منحة إلهية لا تكتسب بالتعلم»، وكان ذو النون المصري يرى أن المحبة الإلهية سر من أسرار الله، يجب ألا يذاع بين العامة، واستعملوا في الحب والفناء عبارة الشكر والوصال والهجر، ونحو ذلك.
وقد وضع متصوف هندي حديث مبادئ التصوف في عشرة أصول: (1)
لا يوجد إلا إله واحد، وهو أبدى أزلي لا إله غيره؛ ومهما تعددت الأسماء باختلاف اللغات فهو هو، يراه الصوفيون في الشمس، والنار، وفي الأصنام، وفي كل ما يعبد، بل يرونه في أشكال العالم، ومع ذلك فهم يرونه وراء هذه الأشكال «الله في كل شيء، وكل شيء في الله»، ليس الله في عقيدة تعبد، بل هو المثل الأعلى لأكمل ما يتصوره العقل، والصوفي ينسى نفسه، ويريد أن يتصل بهذا المثل. (2)
لا يوجد إلا حاكم واحد للعالم وهو الله، وهو الهادي لكل نفس، وهو الذي يخرج أصحابه من الظلمات إلى النور، وهو منبع لكل المعارف. (3)
ليس هناك إلا كتاب واحد وهو الكتاب المقدس، وهو الطبيعة المفتوحة، وهو الكتاب الذي ينير قارئه، وهو الكتاب المستغني عن اللغة، وعقلاء كل أمة في كل العصور يوقرون هذا الكتاب ويجلونه، ويعدون أنفسهم للاستفادة منهم.
وكل الكتب المقدسة من إنجيل، وتوراة، وقرآن تدل عليه، وتوجه إلى الاهتمام به.
والصوفي يرى في كل ورقة من شجرة صحيفة من ذلك الكتاب، ويراها تشتمل على نوع من الوحي إذا قرأها الإنسان، وفهمها تفتح قلبه. (4)
الأديان كلها طرق إلى الله، بعضها أرقى من بعض حسب رقي الزمان، وكلها تقود الإنسان إلى المثل الأعلى وهو الله، والأديان وإن اختلفت في الشعائر، فالغرض منها جميعها الوصول إلى الله، والصوفي كما قال ابن عربي: يرى الله في الكعبة، وفي المسجد، وفي الدير، وفي الوثن. (5)
لا يوجد إلا قانون واحد يراه الإنسان إذا أنكر ذاته، وتطلب الحق. (6)
لا توجد إلا أخوة واحدة تضم الإنسانية كلها، فليس على الأرض إلا حياة واحدة مشتركة، إن اختلفت فإنما تختلف في النظر، والإنسان متحد بغيره، في علاقات الأسرة ثم في الأمة، ثم في الإنسانية كلها، والإنسان الكامل من تخطى حدود الوطنية، وارتقى إلى الإنسانية، بل ربط نفسه بالإنسانية في الماضي، والإنسانية في الحاضر، والإنسانية في المستقبل. والصوفي يحتقر من ينظر إلى أمة غير أمته بنوع من الاحتقار؛ لأنه شريك له في الإنسانية. (7)