وعلى العموم، فهو شخصية قوية، كشخصية ذي النون، أو أشد منها، كان له أثر كبير في المسلمين.
وعلى الجملة، كانت هذه الحادثة مظهرا كبيرا من مظاهر الخلاف بين الفقهاء والصوفية، لقد أراد الفقهاء - وخصوصا الحنابلة - أن يقضوا على الصوفية، كما قضوا على المعتزلة من قبل، ولكن لم ينجحوا في هذه كما نجحوا في تلك لسببين:
الأول:
أن العامة انقسموا إلى قسمين: قسم يشايع الصوفية، وقسم يشغب عليهم، فلما لم يكن إجماع من العامة سلمت الصوفية.
والسبب الثاني:
أن المعتزلة أصحاب دعوة شعوبية، والعامة أبعد ما يكونون عن العقل، فناصروا أضداده، ولكن لهم مشاعر فياضة، فعطف بعضهم على الصوفية فسلموا.
وأخيرا، جاء الغزالي فأراد أن يوفق بين الفقهاء والصوفية، ويفهم الناس أن كلا منهم ضروري في الدولة، وكان هو نفسه فقيها وصوفيا، وألف في ذلك كتابه «الإحياء» كما ذكرنا، فاستطاع أن يؤلف بين القلوب، ويعطف الناس على التصوف، وهو نفسه صرح في بعض كتبه بأن الحلاج مؤمن صوفي، ولكن غلب عليه حال المتصوفة فشطح، وتكلم بكلام لم يفهمه الفقهاء المتزمتون، والله بالأسرار عليم.
وظل الصوفية يشغلون الناس بأعمالهم، وزهدهم، وذكرهم، ورقصهم، واصطلاحاتهم، من فناء في الله، وحب له، وادعاء للولاية، والتوسع فيها كل عصورهم، وكان منهم المخلصون والدجالون، واستفادت الأمة منهم، وبليت بهم.
وقد اعتزوا بشعورهم، كما اعتز الفقهاء بعلمهم، وهم لم يأنفوا من هذا الجهل، بل كان بعضهم ينصح أتباعه ومريديه بألا يقرئوا في صحيفة، وقال بعضهم:
فلو طالبوني بعلم الورق
برزت عليهم بعلم الخرق
ويقصدون بعلم الورق الذي في الكتب، وبعلم الخرق الشعور الذي يرمز إليه بلبس الصوف.
نعم، إن قليلا منهم كانوا علماء متبحرين في العلم، ولكنهم قليلون إذا قيسوا بغيرهم من الصوفية، واعتقدوا أن تصوفهم خير من فقه الفقهاء، فما هذا الفقه الذي يفرض الفروض غير الواقعية، ويستعمل الحيل للخروج من الأحكام؟ أليس النبي
صلى الله عليه وسلم
كان أميا؟ لم يتعلم من صحيفة ولا كتاب، وإنما تعلم بانفتاح قلبه، ونور بصيرته.
وكذلك كان كثير من الصحابة والتابعين، حتى كان كثير من الصوفية يكره تأليف الكتب في التصوف؛ لأن الكتابة أداة العقل، لا أداة الشعور، ومع ذلك ألف بعض المتصوفة كتبا قيمة، بقي لنا منها كتاب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي سنة 386ه، نوه فيه بمذهب التصوف وفضله، ووصل إلينا أيضا من الكتب التي ألفت في القرن الرابع كتاب السلمي المسمى كتاب «السنن»، الذي ذهب فيه كما ذهب أبو طالب المكي إلى تأييد التصوف وفضله.
والحق أنه حول تأليف التصوف توجد عقدة لا تحل، فمن بلغ مبلغا كبيرا في التصوف صعب عليه أن يتقيد بكتابة أو كتاب، ومن تعلم واحترف الكتب لم تقو مشاعره، ونحن محتاجون إلى ذي مشاعر قوية، يصف لنا مشاعره في كتابه؛ ولذلك نرى أن كثيرا من الباحثين في التصوف، والمؤلفين فيه ينقصهم التصوف العملي، والمتصوفين البارعين في التصوف تنقصهم الكتابة فيه، والله أعلم.
وبعد: فأركان التصوف كما رأينا ثلاثة: وحدة الوجود، والفناء في الله، وحب الله؛ فأما وحدة الوجود، فحامل لوائها الحلاج، ثم محيي الدين بن العربي، ثم السهروردي، وابن الفارض، وأما الفناء في الله، فحامل لوائه أبو يزيد البسطامي، وأما حب الله، فحامل لوائه رابعة العدوية.
فأما وحدة الوجود فتتضح من قول الحلاج في «الطواسين»: «تجلى الحق لنفسه في الأزل، قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن يعلم الخلق، وجرى له في حضرة أحديته مع نفسه حديث لا كلام فيه، ولا حروف، وشاهد سبوحات ذاته في ذاته، وفي الأزل حيث كان الحق، ولا شيء معه، نظر إلى ذاته فأحبها، وأثنى على نفسه، فكان هذا تجليا لذاته في ذاته، في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف، وكل حد، وكانت هذه المحبة علة الوجود، والسبب في الكثرة الوجودية، ثم شاء الحق سبحانه أن يرى ذلك الحب الذاتي ماثلا في صورة خارجية، يشاهدها ويخاطبها، فنظر في الأزل، وأخرج من العدم صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه، وهي آدم الذي جعله الله على صورته أبد الدهر، ولما خلق الله آدم على هذا النحو، عظمه ومجده، واختاره لنفسه وكان من حيث ظهور الحق في صورته فيه وبه، هو هو: