الشاهد الأول: هل تعرف الحلاج؟ نعم، وأعرف أصحابه، وأنهم متفرقون في البلاد يدعون إليه، وإني شخصيا كنت ممن استجاب له، ثم تبين لي مخرقته ففارقته، وخرجت عن جماعته، وتقربت إلى الله بكشف أمره، وانتهت هذه الشهادة.
الشاهد الثاني امرأة يقال لها: بنت السمري، نودي عليها فظهرت امرأة حسنة العبارة، عذبة الألفاظ، جميلة الصورة، سئلت: هل تعرفين الحلاج؟
قالت: نعم! - ماذا تعرفين عنه؟ - قابلته فقال لي: قد زوجتك من سليمان ابني وهو أعز أولادي، وهو بنيسابور، وليس يخلو أن يقع بين المرأة والرجل كلام، فقد وصيته بك، فإن حدث منه شيء تنكرينه، فصومي يومك، واصعدي آخر النهار إلى السطح، وقومي على الرماد والملح الجريش، واجعلي فطرك عليهما، واستقبليني بوجهك، واذكري ما تنكرينه منه، فإني أسمع وأرى.
رئيس الجلسة :
هل شيء آخر؟
هي :
نعم، كنت نائمة ليلة، وهو قريب منى، فما أحسست إلا وقد غشيني، فانتبهت فزعة فقلت: ما هذا؟ قال: إنما جئت لأوقظك للصلاة.
رئيس الجلسة :
هل شيء آخر؟
قالت: نعم، أصبحت يوما وأنا أنزل من السطح إلى الدار، ومعي ابنته، فلما نزلنا إلى تحت حيث يرانا ونراه، قالت لي ابنته: اسجدي له، فقلت لها: أو يسجد أحد لغير الله؟ فسمع كلامي لها فقال: نعم، إله في السماء، وإله في الأرض، ودعاني إليه، وأدخل يده في كمه، وأخرجها مملوءة مسكا، فدفعه إلي، وفعل ذلك مرات؛ ثم قال: اجعلي هذا في طيبك، فإن المرأة إذا حصلت عند الرجل، احتاجت إلى الطيب، ثم أمرني أن أخلع بلاطة في زاوية الدار، فوجدت تحتها دنانير كثيرة ملء البيت، فأخذت منه شيئا.
رئيس الجلسة :
هل عندك شيء آخر؟
هي :
لا، هذا كل ما عندي، وخرجت.
أبو جعفر بن البهلول :
قاض آخر، يأمر الجنود بكبس بيته وبيوت أصحابه، فيجدون ورقا كثيرا من تعليمات، ودعوات لمذهبه لأصحابه، ورد من أصحابه عليه، وكتابات بالشفرة لا يفهمها إلا هو، ومن أرسلها إليه، وكتابات تثبت أنه يدعو إلى نوع من الحج آخر، فيكفي الرجل أن يخصص غرفة في بيته لا تلحقها النجاسات، ولا يتطرقها أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حولها، وقضى من المناسك ما يقضي بمكة، وجمع ثلاثين يتيما، وأطعمهم أفخم الطعام، وتولى خدمتهم بنفسه، ثم غسل أيديهم، وكسا كل واحد قميصا؛ ودفع لكل واحد منهم سبعة دراهم، فذلك يقوم مقام الحج.
تليت هذه الورقة على الحلاج، فقال له رئيس الجلسة: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب «الإخلاص» للحسن البصري. قال له القاضي: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب «الإخلاص»، وليس فيه شيء مما ذكرت، فلما سمع الوزير من القاضي: يا حلال الدم، قال: اكتبها. فتلكأ، فألح عليه، فكتب بإحلال دمه، ومررت الورقة على سائر القضاة، فأخذوا يوقعونها، فلما رأى الحلاج ذلك قال: «ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتهموني بما يخالف عقيدتي، ومذهبي السنة، ولي كتب في الوراقين تدل على سنتي، فالله الله في دمي». ولم يزل يردد هذا القول والقضاة يوقعون، حتى كمل الكتاب، فأرسله الوزير حامد إلى الخليفة المقتدر مع رسول، وأمره بالسرعة، وعاد الجواب، وعليه توقيع من الخليفة: «إذا كانت فتوى القضاة فيه بما عرضت، فأحضره مجلس الشرطة، واضربه ألف سوط، فإن لم يمت فاقطع يديه ورجليه، ثم اضرب رقبته، وانصب رأسه، وحرق جثته».
فلما أصبح الصباح، نفذ في الحلاج كل ذلك، وحضر كثير من العامة ينظرون هذا المنظر، والحق أن الحلاج قابل هذا التعذيب كله بكل شجاعة، فلم يتأوه، ودعا بالسجادة فصلى، ورئي باشا مبتسما؛ لأنه سيقابل ربه.
وادعى بعض أصحابه أن الحلاج لم يقتل، وإنما شبه لهم، وادعى آخرون - وقد زاد الفرات هذا العام - أنه إنما زاد لإلقاء رماد الحلاج فيه.
وقد قال الحلواني: حضرت يوم قتل، وقد أخرج من السجن مقيدا مسلسلا، وهو يضحك وينشد: