تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى الجملة فذو النون المصري شخصية كبيرة، لم تزل غامضة حتى اليوم.

وأما غلام الخليل، فكان محنة أخرى، ومظهرا آخر من مظاهر الخلاف بين الفقهاء والصوفية.

وكانت محنة عامة للصوفية، قتل فيها عدد كبير منهم، اتهم فيها الصوفية بالزندقة، وثارت العامة عليهم. والكلام على غلام الخليل، وشخصيته غامض، لم نجد فيه ما يشبع، وقد نشأ غلام الخليل هذا ببغداد، وتعلم الحديث، وكان من المتشددين فيه، يرى الوقوف في التشريع عند النقل، ولا يبيح القياس، يعظ في المساجد، ويعرف بالورع والزهد، ولم يرو عنه من الأقوال القيمة مثل ما روي عن ذي النون وأمثاله، وكل ما عرف عنه أنه كان فصيح اللسان في الوعظ، وقد يرميه بعضهم بالرياء.

وقد حرك العامة على الصوفية، فكان من أمره وأمرهم ما ذكرنا، وقتل منهم نحو نيف وسبعين صوفيا، وسيق كثير منهم إلى السجون كالجنيد، وسحنون، ويظن أن غلام الخليل نفسه هو الذي حرك العامة والسلطة عليهم، ويتهمه الصوفية بأنه حسدهم، وخاف على منزلته منهم، بل يتهمونه بأنه حرض امرأة على سحنون، وادعت أنه راودها عن نفسها، وساعد غلام الخليل في ذلك ما كان له من اتصالات شخصية برجال البلاط، وأنه كان مهرجا.

وأما الحلاج، فله قصة طويلة، ومحنة كبيرة نلخصها فيما يلي:

كان الحلاج فارسي الأصل، من بلدة في فارس تسمى البيضاء، نسب إليها البيضاوي المشهور صاحب التفسير، واسمه الحسين بن منصور الحلاج، وقد ولد سنة 244ه، ونشأ بواسط في العراق، ويظهر أنه كان حاد المزاج، غريب الأطوار، يشبه الناس الذين عندهم «هستيريا».

بدأ في التصوف وعمره ستة عشر عاما، وتتلمذ على سهل التستري. ثم رحل إلى بغداد، وأقام بها ثمانية عشر شهرا، ثم تتلمذ على الجنيد الصوفي المشهور، ثم حج، وأقام بمكة نحو سنة.

وهناك اتهمه عمرو المكي بأنه يعارض القرآن، فلعنه، وود قتله؛ ففر من مكة، وتجرد من لباس الصوفية، ولبس المرقعة والقباء، ورحل إلى خراسان، وما وراء النهر، وظل في رحلته هذه نحو خمس سنين، ثم حج مرة ثانية، وعاد إلى بغداد، وبنى له فيها دارا، ثم رحل إلى الهند، وقال: إنه يقصد من رحلته هذه دعوة أهل الشرك إلى التوحيد، وتعلم السحر الهندي، ثم حج للمرة الثالثة، وأقام سنتين، ثم عاد إلى بغداد، ثم زار فارس، وزار بها «قم» مركز الإمامية، وادعى أنه وكيل الإمام.

وفي سنة 297ه أفتى ابن أبي داود الظاهري بكفره؛ لكلامه في الحب، ففر إلى الأهواز، واختفى بها، واتهم فيها بدعوى الألوهية، ثم تنقل بين السجون المختلفة سبع سنوات، ومع ذلك استمر في الدعوة حتى آمن به بعض شخصيات البلاد، وأخيرا استجوب، وحكم عليه بالإعدام، والتمثيل به، وإحراقه، وإلقاء ما بقي من جسده من رماد في نهر الفرات.

هذا ملخص حياته، ومنها نعلم أنه كان حيث حل يتهم بالزندقة، وكان شيعيا إماميا، ورجل رحلات كثيرة لبث الدعوة، وتبعه كثيرون يؤمنون به وبمذهبه، حتى وصلت دعوته إلى بلاط الخليفة، ولنصور للقارئ طريقة محاكمته، كما وصلت إلينا.

لقد قبض عليه أخيرا وحبس، ولكن لم يكن مضيقا عليه في الحبس، فيسمح له بأن يزار، وأن يرسل الخطابات إلى من يشاء.

وكانت محاكمته أيام الوزير حامد بن العباس، وهو الذي أوعز بمحاكمته، وكانت الدولة في أيامه مقسمة الإدارة والصبغة بين سلطات ثلاث: فالدواوين، والكتابة في يد الفرس، والخلافة، والقضاء في يد العرب، والجند، وما إليها في يد الترك، وهذه السلطات الثلاث تتعارض وتتآمر، وكل فرقة تدس لغيرها الدسائس.

على كل حال، عهد حامد بن العباس الوزير إلى أبي عمر القاضي ، وأبي جعفر بن البهلول، وغيرهما من وجوه الفقهاء بمحاكمته؛ فانعقدت الجلسة برياسة أبي عمر القاضي، ونودي على المتهم؛ وسئل الحلاج عما اتهم به من أنه إله، وأنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه، وأنه يعمل ما أحب عن طريق المعجزات، فأنكر التهم، وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النبوة؛ وإنما أنا رجل أعبد الله، وأكثر الصلاة والصوم، وفعل الخير، ولا غير، فاستحضرت الشهود.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٤٤