تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

ويعبر عنه جلال الدين الرومي في شعر صوفي فارسي ترجمته بالعربية:

نفسي: أيها النور المشرق.

لا تنأ عني، لا تنأ عني.

حبي: أيها المنظر اللامع.

لا تنأ عني، لا تنأ عني.

انظر إلى العمامة أحكمتها فوق رأسي، بل انظر إلى زنار زرادشت حول خصري، أحمل الزنار، وأحمل المخلاة، بل أحمل النور.

فلا تنأ عني، لا تنأ عني.

مسلم أنا؛ ولكني نصراني، وبرهمي، وزرادشتي، توكلت عليك.

أيها الحق الأعلى.

فلا تنأ عني، فلا تنأ عني.

ليس لي سوى معبد واحد، مسجدا، أو كنيسة، أو بيت أصنام.

ووجهك الكريم فيه غاية نعمتي.

فلا تنأ عني، لا تنأ عني، إلخ إلخ.

وللصوفية شعر جميل مملوء بالحب والغناء، وحدة العاطفة، وقوة الوجدان، ومن الأسف أنه لم يستغله الأدباء في مختاراتهم، وقد استعملوا فيه التعبيرات الدنيوية على سبيل الرمز من خمر، ونساء، وبكاء أطلال، وحب وهيام، وقطيعة ووصال إلخ. يعنون بذلك أحوالهم مع ربهم، كالذي نراه في ديوان ابن العربي «ترجمان الأشواق»، وديوان ابن الفارض.

على كل حال، اتسعت مسافة الخلاف بين الفقهاء والصوفية في كل مصر، وشنع هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء، وربما ظهرت حدة الخلاف في ثلاثة مواقف: في ذي النون المصري، وغلام الخليل، والحلاج. وسنلخص لك حالة كل موقف من هذه المواقف، فأما ذو النون فمصري من أخميم، عرف بالزهد والورع، والعزلة عن الناس في البرابي، وكان في أخميم برابي من بناء قدماء المصريين، عليها نقوش، وكتابات هيروغليفية، فكان يتجول في هذه البرابي، ويمعن في هذه الكتابة، ويزعم أنه يقرؤها، وأنه يستطيع أن يترجمها، وقد روي عنه ترجمات فعلا لبعض هذه الكتابات، ولكن لم يترجمها بناء على استكشاف حجر رشيد، ولا معرفة بالحروف الهيروغليفية، وإنما هي ترجمة ظن أو إلهام؛ ولذلك خرجت الترجمة لا تنطبق على الأصل في قليل أو كثير، ونطق بكلمات غريبة على أهل أخميم، لعلها مستمدة هي أو بضعها من آراء بلديه الصعيدي الأسيوطي أفلوطين، فمن قارنوا بعض تعاليمه بأقوال أفلوطين وجدوا بينهما شبها؛ فاتهمه أهل أخميم بالزندقة، وسافر قوم إلى الفسطاط يشكونه إلى الوالي، وكان سيد فقهاء المالكية إذ ذاك محمد بن عبد الحكم، فاستحضره، وسأله عما يقول؛ فتبينت له زندقته. ورووا عنه أنه استطاع بكيميائه أن يحول الحصى إلى أحجار كريمة، وأن يأتي بكثير من المخاريق، وكان يزعم أن ملوك مصر خافوا ذهاب العلم بالطوفان، فبنوا البرابي، وصوروا فيها كل الصناعات وصانعيها، وصوروا جميع آلات الصناعات، وأنهم أودعوا فيها كل أسرارهم، وأنه استطاع أن يعرف تلك الأسرار، ومما تعلمه ما كان عند المصريين من سحر.

على كل حال، إن ابن عبد الحكم اعتبر ذا النون زنديقا، فلما رأى ذو النون أنه قد أسيء إلى سمعته رحل إلى بلاد عديدة، ثم عاد وقد مات ابن الحكم، وحل محله غيره، وعاد الناس يتهمونه بالزندقة، وساعدهم على ذلك أن أصله قبطي نصراني، فعاد القاضي الجديد الذي حل محل ابن الحكم، وهو ابن أبي الليث يتهمه بالزندقة من جديد، ويرسله إلى الخليفة في بغداد، مكبلا بالحديد، ولكن كان هناك طائفة من المتصوفة في مصر تجمعها رابطة التصوف، وطائفة من المتصوفة في بغداد بينهم بعض موظفي بلاط الخليفة البغدادي المتوكل على الله، فاستدعاه وسمع قوله، فأعجب به، وأعاده على مصر معززا مكرما، فلم يلبث بعد ذلك أن مات. وكل هذه المتاعب كانت بسبب أعمال الفقهاء، ولو قلنا: إنه رأس كبير من رءوس المتصوفة، وأن الصوفية في بعض نواحيها مدينة كلها في مصر لتعاليم ذي النون المصري لم نبعد، فهو - كما قلنا - مبتدع المقامات والأحوال، وله أقوال كثيرة في المعرفة، وكان له تعبيرات أخذت في التعبيرات الصوفية، ككأس المحبة، وهو أول من عرف التوحيد بالمعنى الصوفي، وملأ التصوف حكما من نوع خاص ذكرها القشيري في رسالته، وفريد الدين العطار في «تذكرة الأولياء». ومن أقواله: «إن المعرفة ثلاثة أقسام: الأول: حظ مشترك بين عامة المسلمين، والثاني: معرفة خاصة بالفلاسفة والعلماء، والثالث: وهو العلم بصفات التوحيد خاص بالأولياء الذين يرون الله في قلوبهم». ولما سئل: كيف عرفت ربك؟ قال: «عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي».

ظهر الإسلام · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٤٣