تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال كان هناك خلاف شديد بين الفقهاء والصوفية ظل يتسع قرونا، نلخصه للقارئ فيما يلي: (1)

تغلغل الفقهاء في الشعائر الظاهرة، وتغلغل الصوفية في الأعمال الباطنة. (2)

اختيار الصوفية كل حين ضربا من القول يضايق الفقهاء؛ فأبو يزيد البسطامي اخترع الفناء في الله، مما لم يدركه الفقهاء وأنكروه، ورابعة العدوية اخترعت حب الله، والفقهاء لم يرضوا عنه، وقالوا: إن الحب إنما يكون من إنسان لإنسان لا من إنسان لله، إنما الإنسان يطيع ولا يحب. وذو النون المصري اخترع المقامات والأحوال، مما كان غريبا على الفقهاء. (3)

بعض الصوفية لم يلتزموا تماما الشعائر الدينية، بل قالوا: إن من بلغ درجة الولاية تحرر من المظاهر - قد كان الصوفية الأولون يلتزمون الشريعة، ويحضون على العمل بها، ولكن أتى بعضهم أخيرا، وأراد التحرر منها، بل أشاعوا أن المعصية لا تمنع الولاية، حتى رأينا الحلاج يتهم بأنه دعا إلى عدم الحج، والاكتفاء بالحج إلى غرفة في بيته، ورأينا أبا حيان التوحيدي يؤلف رسالة يسميها «الحج العقلي»، وإن لم نرها، مع تعبنا في الحصول عليها.

وكثر من ذلك أن بعض الصوفية كانت لهم آراء غريبة، مثل: العطف على إبليس، والاعتذار عنه بأنه أبى السجود لآدم؛ لأنه كان يعلم أن السجود لغير الله لا يجوز، وأن فرعون معذور؛ لأن الله لو أراد إيمانه لآمن، فهو إذا منفذ لما أراد الله. (4)

ادعاء الصوفية أن من اتصل بالله، وبلغ الغاية في الفناء، خضع له الكون وقوانينه، وجرى على يديه خرق العادة بما يسمى «الكرامات»، مقابل ما كان للأنبياء من معجزات، والفقهاء ينكرون عليهم ذلك، ويعتقدون أن قوانين الله لا تتخلف إلا لنبي.

والذي نلاحظه أن بعض كبار الصوفية كان يأتي من الأعمال بما يعد عجائب، خصوصا في تلك الأزمان، فكان بعضهم - لرياضتهم، وحدة عواطفهم - يأتي بما نسميه نحن الآن «التنويم المغناطيسي»، وتحضير الأرواح، والتيليباتي، وغير ذلك مما سيكشف عنه العلم الحديث، ويأتي بما يأتي به بعض الناس، من إحضار الذهب من الخزائن، وفاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، إلى غير ذلك من الأشياء الخارقة للعادة.

وكانت في تلك الأيام أعجب الأعاجيب، خصوصا وأن كثيرا منهم كانوا يشتغلون بعلم الكيمياء، فيدلهم هذا العلم على أشياء تعتبر في نظر الناس إذ ذاك كرامات، مثل: دهن الجسم بمادة تمنع تأثير النار، وابتلاع النار بعد ذلك، فلا يمسهم أذى؛ ومثل مخلوطات كيماوية كانوا يخلطونها فتأتي بالعجائب، كالذي يحكى عن جابر بن حيان الملقب «بجابر الصوفي»، وكالذي يحكى عن ذي النون المصري، وعن الحلاج، بل ما يدرينا لعل بعض الكيماويين القدماء، ومنهم هؤلاء استطاعوا أن يحولوا المعادن إلى ذهب، فكانوا ينفقون على أتباعهم من غير حساب، وربما كان العلم الحديث يؤيد هذه النظرية، بعد أن ثبت أن الفرق بين ذرات الحديد، وذرات الرصاص، وذرات الذهب ليس إلا خلافا في الشحنة الكهربائية التي في كل منها؛ أما جوهر الشحنة فواحد، فإذا استطعنا أن نزيد ذرات الرصاص بما يسوي بينها وبين ذرات الذهب صار ذهبا.

والفقهاء ينكرون على الصوفية كل ذلك، ويعتقدون أن الصوفية يسيرون وراء الأوهام، ويأتون بالمخاريق، والصوفية يعتقدون في الفقهاء أنهم أهل ظاهر فقط، ويسمونهم أهل الدنيا، فاتحد الخلاف بينهم، بل من أسباب الخلاف أيضا أن الصوفية كانوا بحكم صوفيتهم متسامحين، واسعي الصدر، يرون أن النصارى واليهود، وأهل كل دين، سواء أكانوا كتابيين أو وثنيين، إنما يعبدون الله مهما اتجهوا، والمتدين منهم محب الله، وكل الأديان ليست إلا طرقا توصل إلى غاية واحدة، والخلاف بينها خلاف في الأسماء، وقد عبر عن ذلك أجمل تعبير ابن العربي في قوله:

ظهر الإسلام · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٤٢