والمسلمون الأولون كانوا كالقرآن على وفاق وامتزاج بين الفكرة الأولى والثانية؛ ولكنهم فيما بعد غالى كل منهم في فكرة، فكان العداء بين الفقهاء والمتصوفة، غالى الفقهاء في أعمال الظاهر، وغالى المتصوفة في أعمال الباطن، فالفقهاء ينظرون إلى المتصوفة نظرة شذوذ وانحراف عن الدين الحق، وكذلك نظر المتصوفة إلى الفقهاء.
ونرى في التاريخ أن الأمراء كانوا ينصرون عادة الفقهاء على المتصوفة لسببين: الأول: أن التعاليم الصوفية تدعو إلى الزهد، وعدم الاهتمام بالدنيا، ولو عمت الفكرة الناس ما صلح ملك، ولا وجد من يعمل. والثاني: أن الصوفية الحقيقيين إنما يخضعون لله وحده، ويؤمنون تمام الإيمان بأن لا إله إلا الله، فلا خضوع لملك أو أمير، وهذا يغضب ذوي السلطان عادة، ففي كل موقعة ثارت بين الفقهاء والمتصوفين كان الأمراء بجانب الفقهاء، لا الصوفية، إلا من تسموا الصوفية في هذا العصر، فإنهم كانوا كالفقهاء ألعوبة في أيدي الأمراء.
وعلى العموم، فقد كانت الفكرتان متميزتين، وحاول الغزالي في أواخر القرن الخامس أن يجمع بينهما، وعلى هذا الأساس ألف كتاب «إحياء العلوم»، فدعا فيه إلى المحافظة على الشريعة الظاهرة، من صوم وصلاة وزكاة وحج، كما دعا إلى أنها لا قيمة لها ما لم تدعم بالنية الحسنة، وواجب تطهير الظاهر كما يجب تطهير الباطن، وكان له فضل كبير في إزالة العداء بين الفقهاء والصوفية. وطريقة أهل العقيدة الأولى أنهم يصلون إلى الله عن طريق الاتساع في العلم من فقه، وتفسير، وحديث، وأصول، وغير ذلك، وطريقة أهل العقيدة الثانية أنهم يصلون إلى الله عن طريق الرياضة من جوع، وأعمال شاقة، ونحو ذلك.
فإذا فعلوا هذا حدث لهم ما يسمونه الكشف، وهذا الكشف يرون به الحق، ويحدث لهم من اللذة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ تفنى نفوسهم في الله، ويتحدون بالله، وفي أول أمرهم يكون هذا الكشف عبارة عن لحظات لذيذة على فترات، ثم إنهم بالمران يسهل عليهم هذا الفناء، ومع ذلك لا يستطيعون أن يفنوا فناء تاما، ولا دائما، ما داموا على قيد الحياة، إنما يحدث ذلك لهم بالموت، وهنا نتساءل: أي الطائفتين كان أقرب إلى الدين الحق؟ وأيهما كان أنفع في الحياة الاجتماعية؟ وهو سؤال يعسر الجواب عنه، ففي الفقهاء من بلغوا الذروة في الصدق، والإخلاص، والتشريع الذي ينفع الناس كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، والطبري، وداود الظاهري، وغيرهم. ومن المتصوفة من كانوا كذلك مخلصين كالقشيري، وأبي يزيد البسطامي، ومحيي الدين بن العربي، وقد نفعوا الناس من ناحية أنهم قللوا تكالبهم على الدنيا، وضبطوا نفوسهم، وكبتوا شهواتهم، ولكن مع الأسف وجد بين هؤلاء وهؤلاء دجالون؛ فقهاء حرصوا على المظاهر، وقلوبهم هواء، إذا وضع الفقهاء المخلصون تشريعهم الجميل، وضع هؤلاء كتب الحيل للتخلص من الواجبات، كما وجد من تعمقوا في المظاهر حتى تفهوا. وبين الصوفية أيضا من كانوا دجالين؛ همهم اللعب بالمظاهر، وانغماسهم في الذكر ومظاهره، والخرافات والأوهام. وفي الحق أن الدجل في التصوف كان أكثر من الدجل في الفقه؛ وذلك لأن طبيعة الحياة الصوفية تفتح المجال كثيرا للتخريف، فدخلوا من هذا الباب إلى التعاويذ، والأحجبة، والخرافات، واللعب بالنار، والدوسة، وغير ذلك من أوهام، وكان في دجل هؤلاء وهؤلاء شر عظيم على المسلمين، وبعد كبير عن الدين.
وقد آن الآوان لأن يتنبه المسلمون فيقضوا على الدجالين من الصنفين، ويؤيدوا المخلصين من الفريقين، إن المجتمع في حاجة إلى تشريع يواجه مشاكل الجيل الحاضر، وهذا عمل الفقهاء، وإلى ملطفين من الشر، والطمع، والتكالب على الدنيا، وهذا عمل المتصوفين، وبدون ذلك لا تقوم للمسلمين قائمة، لا قدر الله.