تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وناحية أخرى، وهي أن الفقه وسائر العلوم تعتمد أكثر ما تعتمد على العقل، وقضايا المنطق، والبراهين العقلية، أما التصوف فيعتمد على الذوق والكشف، ولا يخضع للمنطق، ولا للعقل، شأنه شأن الحب كالذي قال:

ليس يستحسن في شرع الهوى

عاشق يحسن تأليف الحجج

بني الحب على الجور فلو

أنصف المحبوب فيه لسمج

ونرى في الطبيعة أصنافا ثلاثة من الناس: قوم قويت عقولهم؛ وهم أميل إلى بحث النظريات العقلية، وهؤلاء إلى العلم أقرب، والتعلم في الجامعات أنسب، وقوم اعتمادهم على قلبهم، وإن شئت فقل على عاطفتهم أو ذوقهم، وهؤلاء للفنون الجميلة من أدب وشعر، وموسيقى، وتصوير أنسب، وقوم مزيتهم في أيديهم، وهؤلاء للصناعات أنسب، والأمة الحكيمة من تتخذ وسائل لمعرفة أبنائها، لأي شيء هم أكثر استعدادا، فتوجههم إلى ما خلقوا له.

والصوفية من النوع الثاني يعتمدون على الذوق، وعلى الكشف والإلهام، ولا يصح أن تسألهم عن الحجة العقلية فيما يقولون، بل قد تغمرهم العاطفة فيشطحون، ويتكلمون بما لا يفهمون، حتى كأنهم شعور بلا جسم ولا عقل، وعاطفة بلا تفكير، وهياج بلا رزانة، فمن عندهم هذا الاستعداد يصلحون للتصوف، وينبغون فيه بمقدار استعدادهم، أما من كبر عقله، وسار في حياته على القضايا المنطقية، فقد يكون فيلسوفا، وقد يكون طبيعيا، وقد يكون فقيها، وقد يكون كل شيء إلا أن يكون متصوفا.

ومن أجل ذلك لم أفهم إلى الآن أن يكون ابن سينا فيلسوفا ومتصوفا، فالفلسفة تعاند التصوف، وهو يعاندها، وقد قرأت رسالة لابن خلدون - العاقل في التصوف - وهي رسالة مخطوطة فلم أستحسنها، إلا لأن كاتبها ابن خلدون، ورأيت أحسن ما فيها البحث في أن سالك سبيل التصوف هل لا بد له من شيخ يأخذ عنه التصوف أو لا؟ وهو بحث عقلي لا صوفي، ومن أجل ذلك يسمي الفقهاء إدراكاتهم معرفة، ويقولون: إن ما يعلمه الفقيه والفيلسوف بالعقل نراه نحن بالكشف.

وناحية أخرى، وهي أن هناك فكرتين: فكرة يصح أن نسميها بالأثنينية، وهي تعتقد في الله أنه مستقل عن الخلق، يشرف عليه من فوق، ويمد كل مخلوق بإمداداته، ويدبر نظام الكون من أصغره إلى أكبره، وهو فوق الأرض، وفوق السماء، وفوق كل شيء، وأن في الكون موجودين متميزين عن بعضهما كل التميز، مخلوق وخالق، ومدبر ومدبر، ومحكوم وحاكم.

أما الفكرة الثانية، فترى الواحدية - أو بعبارة أخرى - وحدة الوجود، وأن الله والخلق واحد، والحاكم والمحكوم شيء واحد، كما قال الحلاج:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرته أبصرتني

وإذا أبصرتني أبصرتنا

وكقوله: «ما في الجبة إلا الله»، أي أن الله في كل شيء، وهو كل شيء، يظهر في المخلوقات حسب تدرجها في الرقي، فالله في الإنسان أرقى منه في الحيوان، وهو في الحيوان أرقى منه في النبات، وهكذا، وعند الأولين أن الإنسان يدرك الله بالعلم؛ وقضايا المنطق، وغاية الرقي في ذلك الفلسفة. أما عند أهل الفكرة الثانية، فإدراك الله بالمعرفة، والمعرفة تحصل بالتروض، فإذا تم التروض صفت النفس، وانطبع فيها الله. ويروى أن أبا سعيد بن أبي الخير الصوفي المشهور اجتمع بابن سينا، فلما فرغا سئل أبو سعيد عن ابن سينا فقال: ما أراه يعلمه، وسئل ابن سينا عن أبي سعيد، فقال: ما أعلمه يراه. والحكاية وإن كانت موضوعة، فإنها تدل على معنى صحيح، والناظر في القرآن يرى فيه طرفا من هذا، وطرفا من ذاك، وفي كثير منه تفرقة بين الخالق والمخلوق، وفي بعضه توحيد لهما، مثل:

وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ، والذي عني بالفكرة الأولى الفقهاء، والذي اعتقد الثانية أغلب المتصوفة، وعلى رأسهم محيي الدين بن العربي، وسموا اجتهاد الأولين شريعة، واجتهاد الآخرين حقيقة، وسمي الفقهاء أهل شريعة، وسمي المتصوفة أهل حقيقة.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٤٠