قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون ، فهو يطلب الصلاة، ويطلب خشوع النفس فيها، وكذلك كان يفعل الصحابة والتابعون، يؤدون الشعائر، ويحسنون النية، فلما كثر الفقهاء، وتغلغلوا في الفقه، رأيناهم يغالون في مراعاة الشعائر الظاهرة من وضوء وصلاة وزكاة، ومتى تصح، ومتى لا تصح، من غير تعرض كثير للنية، ومحاسبة الروح، ونحو ذلك من الأعمال الباطنية النفسية. ومن ناحية أخرى تغالى الصوفية في الأعمال النفسية الروحية، ولم يضغطوا ضغطا كافيا على الأعمال الظاهرة، فكان هناك فقهاء وصوفية، وعداء بين الفقه والتصوف؛ الصوفية يرمون الفقهاء بأنهم لا يعبأون إلا بالقشور من مظاهر الأمور، والفقهاء يرمون الصوفية بأنهم غلوا في أحوال الروح أكثر مما كان يعرفه الإسلام، وسموهم أهل الباطن.
هذه ناحية ومن ناحية أخرى، فقد كان هناك في مبدأ الإسلام بعض الناس يميلون إلى الزهد، إما لأنهم فشلوا في الحياة فتزهدوا، وإما لأنهم لم يجدوا ما يغتنون به فتزهدوا، وإما لأن لهم مزاجا خاصا يكره الدنيا ونعيمها، والحياة وزخرفها، فتزهدوا، وإما لأن إحساسهم رقيق، ملأ الخوف من النار نفوسهم، وخافوا أن يحاسبوا يوم القيامة حسابا عسيرا على مالهم ونعيمهم، وسمعوا قوله تعالى:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم
فتزهدوا.
وقد حكى لنا التاريخ أمثلة كثيرة من المتزهدين في صدر الإسلام، فمنهم من كان يأبى على نفسه أي نعيم، ويتمسك بقوله تعالى:
قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتق ، فكانوا يزهدون في الأكل، والنوم، والاختلاط بالناس، وسائر اللذات البدنية، كما قال القشيري: «من كان له رداء واحد خير عند الله ممن له رداءان». وكانوا يتبتلون، ويكثرون من الصبر، ويتناظرون في أيهما خير عند الله: الغني أم الفقير؟ ومنهم من تزهدوا بأشكال أخرى حتى فيما أحل الله، وقد فسر بعضهم قوله تعالى:
ثم لتسألن يومئذ عن النعيم
بشرب الماء البارد، فامتنعوا عنه خوف السؤال ... فلما جاء المتصوفة فلسفوا الزهد، وجعلوه مقامات وأقساما، فكان من زهدهم لبس الصوف الخشن كما يفعل رهبان النصارى؛ فسموا من أجل ذلك بالصوفية، وهذه النسبة هي الصحيحة، وهي التي تتفق مع اللغة، ثم إن التصوف لما كان مختلطا مع الفقه في العصر الأول كان إسلاميا بحتا، وكان الزهد طوعا للأوامر الإسلامية، وظل كذلك طول العهد الأموي، وفاتحة هذا النوع الحسن البصري، فلما دخل في الإسلام كثير من الأمم الأخرى أصحاب الديانات الأخرى كالنصارى، واليهود، والفرس، والهنود، وانتشرت الفلسفة اليونانية، والأفلاطونية الحديثة، استمد التصوف من كل هذه المنابع، فلون عند بعض الناس بالزرادشتية الفارسية، وبالمذاهب الهندية، ولون عند بعض الناس بالنصرانية، وعند بعضهم بالأفلاطونية الحديثة، ثم اختلطت هذه العناصر كلها بعضها ببعض، فكانت نزعات مختلفة، وطرق مختلفة على مدى العصور؛ فترى مثلا أن أبا يزيد البسطامي - وكان فارسي الأصل - يدخل على التصوف فكرة الفناء في الله، وأفكارا أخرى لم تكن معروفة عند المسلمين من قبل، ومعروفا الكرخي المتوفى سنة 200ه كان من أصل مسيحي فارسي، وعاش في بغداد في حي كرخ الذي ينسب إليه، يقول مثلا أقوالا لم تكن مألوفة من قبل مثل: «إن محبة الله شيء لا يكتسب بالتعلم، وإنما هي هبة من الله وفضل»، وقوله: «يعرف أولياء الله بأموال ثلاثة: أن يكون فكرهم في الله، وأن يقوموا بالله، وأن يكون شغلهم بالله»، ومما ينسب إليه أنه قال يوما لتلميذه سري السقطي: «إذا كانت لك حاجة على الله فأقسم عليه بي»، ورابعة العدوية التي يدل اسمها على أنها عربية ملأت التصوف بحب الله، وأبا سليمان الداراني المتوفى سنة 215ه يقول: «لو تمثلت المعرفة رجلا لهلك كل من نظر إليها لفرط جمالها، وحسنها، ولطفها، ولبدا كل نور ظلاما إلى بهائها»، وهكذا كان كل كبير من كبراء التصوف يدخل عليه لونا جديدا، ويصبغه صبغة جديدة، حتى لتشعبت العناصر التي تكونت منها الصوفية الإسلامية، وغمضت حتى على كبار الباحثين.