وكان اللغويون أيضا يفرضون الفروض الكثيرة للتعليم، فيقولون: كيف تشتق من كذا على وزن كذا؟ فقلدهم في ذلك لفراغ ذهنهم من المسائل الكلية، مثل أن يقولوا: ما حكم من قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة، بعدها واحدة؟ وما حكم من قال: أنت طالق نصف تطليقة، أو ربع تطليقة؟ وهكذا من الفروض السخيفة.
ومن مظاهر الفقه في هذا العصر أيضا شيوع التعصبات المذهبية، فقد كان الأئمة أنفسهم متسامحين، وكانوا لا يعيبون اجتهاد زملائهم، وقد فهموا تمام الفهم حرية الرأي كالذي نراه في رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، ومع ما كان يبديه الشافعي من نقد أبي حنيفة كان يقول: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة»، ويقول: «مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب»، ويجتهدون في التدليل عليه، ونقد أقوال خصومهم، وكل ما فعلوه أن اجتهدوا النوع الاجتهادي الوضيع الذي يسمى اجتهاد مذهب، وذلك يقضي فقط بأنه إذا روى عن الإمام روايتان، رجح الفقيه رواية أو رأيا.
ولنقص طرفا من أمثال هؤلاء، فمن أمثال ذلك: أن أبا الحسن الكرخي رئيس الحنفية بالعراق، والمتوفى سنة 340ه صنف المختصر، وشرح الجامع الصغير، والجامع الكبير لمحمد بن الحسن، أما أن يكون له رأي في مسائل جديدة يجتهد فيها، فلا، ومثل أبي الحسن القدوري، ألف المختصر المشهور، وشرح مختصر الكرخي، وصنف كتاب «التجريد»، وهو يشتمل على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي.
ومن شدة خلافاتهم، وتعصبهم لمذهبهم، وكثرة جدالهم، نشأ علم يسمى آداب البحث والمناظرة، يقصدون منه الشروط التي يتبعها المجادل في جدله، إذا أصبح فوضى.
وقد جعل الغزالي المثل الأعلى لها في شروط ثمانية: (1)
ألا يمعن في البحث، ولا يشتغل به ما أمكن. (2)
أن الجدل فرض كفاية، فإذا رأى فرض كفاية آخر أهم منه اتجه إليه. (3)
أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه، إلا بمذهب معين، حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أيا كان ذهب إليه. (4)
ألا يناظر إلا في مسائل واقعية، أو قريبة الوقوع. (5)
أن تكون المناظرة إليه في الخلوة أحب إليه من المحافل، وبين الأكابر والسلاطين. (6)
أن يكون في طلب الحق، كناشد ضالة، لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده، أو على يد غيره. (7)
ألا يمنع خصمه من الانتقال من دليل إلى دليل، فلا يقول: إن هذا يناقض كلامك الأول، فلا يقبل منك، فإن الرجوع إلى الحق يجب قبوله. (8)
أن يناقش من يتوقع الاستفادة منه، ولا يقصد الضعيف ليتغلب عليه.
وقال: «إن من آفة المناظرة في عصره الحسد والتكبر، والترفع على الناس، والغيبة والتجسس، والنفاق، والإصرار على الرأي مهما ظهر بطلانه» إلخ.
وربما كانت كثرة المناظرات، وتظاهر العلماء بالغلبة، وحبهم للتقرب من العظماء من الأمور التي أوجبت على الغزالي تركه لمنصبه كمدرس في المدرسة النظامية، وتزهده في دمشق.
وكان من مظاهر هذا العصر التزام مذهب بأكمله كالشافعي والحنفي في كل المسائل، وتحريم انتقاله من مذهب إلى مذهب، كأنه انتقال من دين إلى دين، كذلك من مظاهر هذا العصر ظهور مذهب الشيعة في المغرب ومصر والشام، ومحاربته للمذاهب السنية كمالك والشافعي في قسوة وجبروت، وفرض المذهب الشيعي على الناس بالقوة، وقد عاقبوا بالقتل رجلا رأوا عنده كتاب «الموطأ» لمالك، وهكذا فعلوا في المغرب، فيحكي لنا القاضي عياض في «المدارك» كيف أسرف الفاطميون في فرض المذهب الشيعي، وقتل من أباه، فيقول في ترجمة أبي بكر بن هذيل، وأبي إسحاق بن البرذون كيف سجنا وربطا في أذناب الدواب حتى ماتا لعدم إفتائهما بمذهب أهل البيت، وكذلك فهل أهل السنة فيما بعد لما تمكنوا من الشيعة، فقد قضوا على مذهبهم، وكل هذا سببه السياسة مغطاة بغطاء الدين.
ونكبة النكبات، والمصيبة العظمى ما كان من الخلاف بين الفقهاء والصوفية، فالإسلام في جوهره لم يكن يفرق بين الاثنين، بل يأمر بالأعمال الظاهرة، ويطلب إصلاح الباطن، ومراقبة الله في أدائها، يدل على ذلك قوله تعالى: