وكانت المسائل الكلامية تدور بين الفرق الخمس التي شاعت في هذا الوقت، وهي: أهل السنة، والمعتزلة، والمرجئة، والخوارج، والشيعة، وكانت كل فرقة من هذه الفرق تنقسم إلى طوائف قد تختلف فيما بينها كثيرا أو قليلا، فإذا كان الخلاف على العقائد، وما يتصل بها فذلك علم الكلام، وإذا كان الخلاف على الفروع، وما يتصل بها، فذلك علم الفقه.
ونلاحظ أن علم الكلام أولا كان مختلطا بالفقه، وكانت هناك مسائل فقهية في ثنايا علم الكلام، ثم تحرر علم الكلام عن الفقه بفضل المعتزلة.
وأضافوا إلى المسائل الأولى التي كانت تثار مسألة الإمامة، وربما كان للشيعة أكبر دخل في ذلك؛ لأنهم كان لهم منهج مخصوص يخالف مذهب أهل السنة. ومن أهم مسائلهم مسألة القدر، وهي مأخوذة عن مذهب زاردشت؛ ولذلك يقال لهم: الثنوية، ويقول ابن حزم: «إن المعتزلة هم الذين اخترعوا لفظ الصفات»، ثم تكلم بها فيما بعد، ويصف المعتزلة بأنهم يمتازون بخصال أربع: «وهي: اللطافة، والدراية، والفسق، والسخرية»، وكانوا مولعين بالجدل، كما اشتهر بذلك الجاحظ، ومن أجل هذا سمي هذا العلم علم الكلام.
ويظهر منهجهم في الوصف الذي وصفناه للمنهج الذي اتبعه في التفسير الزمخشري كما بينا.
وكان عدوهم اللدود أهل السنة.
وكان أبو الحسن الأشعري معتزليا أولا، ثم خرج عليهم، وحاربهم بمثل سلاحهم، وأخذ من مذهبهم بعض الأشياء، ومن مذهب خصومهم بعض الأشياء، فكان مذهبا مختارا، حاول فيه أن يوفق بين العقل والنقل.
ويقول في بعض كتبه: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله، وسنة نبيه، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، وبما عليه أحمد بن حنبل، ونحن بأقواله قائلون، ولمن خالف قوله قوله مجانبون»، ولكن بعض كبار أهل السنة لم يرضوا عنه كل الرضا، ورأوا أن في بعض تعاليمه دسائس من أصول المعتزلة.
وقد شنع عليه في الأندلس الإمام ابن حزم، وسلقه بلسان حاد في كتابه «الملل والنحل».
الفصل الثاني
| الفقه والتصوف
ذكرنا في «فجر الإسلام» وضحاه تاريخ الفقه في العصور المتقدمة، حتى إذا جاء عصرنا هذا تحول الفقه تحولا جديدا، وأكبر مظاهر هذا التحول سد باب الاجتهاد، فقد وصل الفقه إلى ذروة مجده في القرون السابقة، فلما جاء القرن أقفل العلماء باب الاجتهاد، وكان ذلك طبيعيا لحالة العصر، قال سعيد بن الحداد الفقيه القيرواني: «إن الذي أدخل كثيرا من الناس في التقليد نقص العقول، ودناءة الهمم»، وكانت وفاته سنة 330ه، وكان من نتيجة ذلك:
أولا:
اقتصارهم على النقل عمن تقدم، وانصرافهم لشرح كتب المتقدمين، وتفهمها، ثم اختصارها.
ثانيا:
جمع الفروع الكثيرة في اللفظ القليل؛ مما جنى على الفقه، وسائر العلوم.
ثالثا:
اقتصارهم على التحشية والقشور.
رابعا:
كثرة الفروض في المسائل.
وكانت هذه الحال نتيجة طبيعية للتاريخ السياسي والاجتماعي؛ فالخلفاء كانوا تحت سيطرة الأتراك حينا، وتحت سيطرة الديلم من بني بويه حينا آخر، وهؤلاء الديلم والأتراك لم يكونوا يحسنون اللغة العربية إحسان من قبلهم، وأتت بعد ذلك غارة التتار فقضت على البقية الباقية من المدنية والحضارة، وعلو الهمة.
وقد كان نشاط الفقهاء من قبل نشاطا غير محدود، فلما أغلقوا باب الاجتهاد توجه نشاطهم إلى المسائل التي ذكرناها، من اختصار لما مضى، ووقوف على أقوال الأئمة السابقين، وفرض الفروض، وخصوصا في بابي العتق والطلاق.
والسبب في ذلك أن الرقيق كان قد كثر في البيوت من نساء ورجال وأطفال، وحدثت حوادث للرقيق كثيرة، من إباق ومكاتبة، وغير ذلك، فتوسع الفقهاء في هذا الباب كثيرا، وأما الطلاق فيظهر أنه قد كثر في ذلك العصر بسبب تعداد الزوجات، وكثرة الإماء، وغيرة الحرائر من الإماء، والإماء بعضهن من بعض، فكثرت الفروض، والأحكام في هذا الباب.