وقد قالوا: إن الخطيب البغدادي أبان دقة فائقة على نقد الوثائق المكتوبة؛ وإثباته تزويرها، ومعرفته تواريخ حياة الرجال الذين يذكرون فيها.
ولئن كان للمحدثين محامد من ناحية الجد في الجمع والنقد، وعدم الاكتراث بالمتاعب، والصبر على الفقر، ونحو ذلك، فقد كان لهم - والحق يقال - بعض الأثر السيئ في المبالغة في الاعتماد على المنقول دون المعقول، خصوصا بعد ما مات المعتزلة؛ فقد كان المعتزلة هؤلاء حاملي لواء العقل، والمحدثون حاملي لواء النقل، وكان عقل المعتزلة يلطف من نقل المحدثين. فلما نكل بالمعتزلة على يد المتوكل، علا منهج المحدثين، وكاد العلم كله يصبح رواية، وكان نتيجة هذا ما نرى من قلة الابتكار، وتقديس عبارات المؤلفين، وإصابة المسلمين غالبا بالسقم، حتى لا تجد كتابا جديدا، أو رأيا جديدا بمعنى الكلمة، بل تكاد العقول كلها تصب في قالب واحد جامد.
واتخذت التراجم شكل تراجم المحدثين من ذكر وقائع وأحداث من غير تجديد، كالذي تراه في «الأغاني». ومن الأسف أن منهجهم ساد منهج المعتزلة وغلبهم، وكان منهج المعتزلة منهجا متينا دقيقا حتى لم يستطع أن يفر منه إلا القليل.
كما يؤخذ عليهم أنهم عنوا بالسند أكثر من عنايتهم بالمتن: فقد يكون السند مدلسا تدليسا متقنا فيقبلونه، مع أن العقل والواقع يأبيانه، مثل: «من أكل سبع بلحات عجوة، لم يصبه في ذلك اليوم سم»، ومثل: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» إلخ.
بل قد يعده بعض المحدثين صحيحا؛ لأنهم لم يجدوا فيه جرحا، ولم يسلم البخاري، ولا مسلم من ذلك، وربما لو امتحن الحديث بمحك أصول الإسلام، لم يتفق معها، وإن صح سنده.
وقد كان من بعض المحدثين من تدخل عليهم أساليب الدهاة المكرة الوضاعين؛ ولذلك قال بعضهم في بعض المحدثين: «إننا نطلب دعوته، ولا نقبل حديثه». وقد جنى منهج الحديث على كل علم آخر، فقل الابتكار في اللغة والأدب، والنحو والصرف؛ فكانت عبارة عن حكاية أقوال المتقدمين، وإن اختلفت في شيء فيما بينها، ففي التعبير الصعب أو السهل فقط، وفي الاختصار أو التطويل فقط.
وإذا كانت للمحدثين سلطة كبرى كان من خرج على منهجهم قيد شعرة، شغب عليه، ورمي بالزندقة.
وفي التاريخ أمثلة كثيرة من هذا القبيل؛ من أولها ما ذكرنا قبل من اضطهاد المحدثين لابن جرير الطبري، وأسوأ ما في هذا أن الأمر لم يقتصر على العداء بين العلماء بعضهم مع بعض، بل اجتهد كل فريق أن يدخل العامة في الموضوع؛ ليستعين بهم في التنكيل بخصومه.
ولكن مع هذا كله لا ننسى أنه بفضلهم نقدت الوثائق الدينية نقدا دقيقا، يشبه ما يضعه علماء التاريخ اليوم.
علم الكلام
نشأ علم الكلام من الحاجة إلى الدفاع عن الإسلام أولا دفاعا مسلحا بالفلسفة، كما كان المهاجمون مسلحين بها. وثانيا: لأن المسائل كلها حتى الدين تحولت إلى علوم بعد أن كانت سائرة على الفطرة.
ولم يعدم بعض العقول أن يثيروا مسائل كانت تثار في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم ، والصحابة، والتابعين فتكبت، ثم نجمت فيما بعد ولم تكبت، مثل: هل صفات الله غير ذاته، أو هي هي؟ وهل الإنسان مجبور أم مختار؟ وهل مرتكب الذنوب فاسق، أو مؤمن، أو كافر؟ ونحو ذلك.
وقد دعت إثارة هذه المسائل، والتبحر فيها إلى إثارة مسائل أخرى عويصة، كالطفرة، والذرة، ونحوهما، وقد ساعد على هذا التوسع أن أمثال هذه المباحث كانت أثيرت عند اليونان، ثم نقلت إلى العربية.
وكان للمعتزلة الفضل الأكبر في علم الكلام؛ لأنهم كانوا أكبر المدافعين عن الإسلام لما كان يثيره اليهود والنصارى الوثنيون من هبوب، حتى لقد كانوا فيما روي يرسلون أتباعهم الكثيرين إلى البلدان الأخرى لرد هذا الهجوم ردا عقليا.
وذاع صيتهم، وعلا شأنهم بوجود طائفة ممتازة منهم، مثل: واصل بن عطاء، وأبي هذيل العلاف، والنظام، والجاحظ، وغيرهم، بسبب ما أثير من مسألة خلق القرآن، فقد نشأت عنه مسألة كلامية، وهي أن أهل السنة يقولون: إن لله صفات غير ذاته، ويقول المعتزلة: إن صفات الله عين ذاته، ونشأ عن ذلك أن أهل السنة يقولون: إن لله صفة الكلام غير ذاته، وهي صفة متصلة به، والقرآن قديم بمعنى أنه كلام الله القديم، الذي كان من آثره القرآن المقروء الذي أنزل على محمد، ولم يقولوا في الأصل: إن القرآن الذي هو في المصحف قديم، وإنما القديم هو كلام الله، وإذ كان المعتزلة ينكرون أن لله كلاما غير ذاته نتج عن ذاته قولهم بخلق القرآن، ودار الجدل الطويل في ذلك على النحو الذي ذكرناه من قبل في «ضحى الإسلام».