تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك القول في الأسماء، فمن سمى الزاني مؤمنا فقد أصاب، ومن سماه كافرا فقد أصاب، ومن سماه فاسقا فقد أصاب، ومن قال منافقا فقد أصاب؛ لأن القرآن دل على كل هذه المعاني، وسميت هذه الطائفة بالوقوف، جمع واقف، كالقعود والجلوس، جمع قاعد وجالس.

وذهب قوم إلى تفسير القرآن تفسيرا صوفيا، فهم يفسرون الآيات التي تدل على مظاهر الأشياء تفسيرا يدل على النفس، أو الشيطان، أو الملائكة، أو نحو ذلك من مثل ما يذهب إليه الجنيد، وسفيان الثوري، وهكذا تشعبت الآراء، واختلفت المذاهب، وأصبحوا يخضعون القرآن للمذهب، بعد أن كانت تخضع المذاهب للقرآن.

الحديث

تضخم الحديث حين بلغ عصرنا هذا الذي نؤرخه، ودونت كتب كبيرة كالبخاري ومسلم، وأكثر منهما مسند ابن حنبل؛ وبلغ مجموع أحاديثه نحو 60000 ألفا، وهذا التضخم يرجع فيه إلى سببين: الأول: كثرة الوضع؛ فقد دخل في الحديث كثير من حكم الأمم المختلفة، واندس فيه بعض عقائد الأمم القديمة. والثاني: اجتهاد العلماء في الجمع؛ فقد كان علماء الحديث يرحلون إلى الجهات المختلفة، ويزاحمون التجار في الخانات.

وبجانب جمع الحديث نشأ حوله كثير من العلوم مثل: علم الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، فإذا رأوا حديثا يناقض حديثا آخر، وعرف المتأخر منهما، دل ذلك على أن المتأخر ناسخ للمتقدم، ومثل علم الجرح والتعديل؛ يذكرون فيه الصفات التي تلزم المحدث حتى يكون عدلا، فإذا نقصها، أو نقص صفة منها لم يحز صفة العدل، إلى غير ذلك من العلوم.

وفي هذا القرن الرابع ظهرت فكرة أنه يجوز الاكتفاء في رواية الحديث بما في الكتب، وقد ذكروا أن ابن منده كان خاتمة الرحالين، وعدوا ابن يونس الصفدي المتوفى سنة 347ه إماما حافظا للحديث وإن لم يرحل، وكان المحدثون يعدون أكبر العلماء شأنا، فيبجلون ويعظمون، ويغدق المال عليهم أكثر من الفقهاء والنحاة وغيرهم.

وكان لرواية الحديث مزية، وهي تقوية ذاكرة المحدثين، فكان بعضهم يحفظ الآلاف من الأحاديث بسندها مع صعوبة السند، وتشابهه، فيروون أن ابن ميسر المتوفى سنة 401ه كان عنده درج طويل طوله سبعة وثمانون ذراعا مملوء الوجهين، فيه أوائل ما يحفظه من الأحاديث، وكان قاضي الموصل المتوفى سنة 355ه يحفظ مائتي ألف حديث عن ظهر قلب، وكان بعضهم يتعبد بقراءة الحديث، فيروون أن الخطيب البغدادي قرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزي في خمسة أيام، وكان أكبر محدثي القرن الرابع أبا الحسن الدارقطني، والحاكم النيسابوري، وربما كان الحاكم هذا أعظمهما، فقد وضع مصطلحات الحديث من صحيح وحسن وضعيف، وجعل لها أصولا، ووضع لذلك أساسا بقي معمولا به إلى اليوم، وقسم الرواة إلى أنواع، وجعل الجرح والتعديل أنواعا، ولكل نوع لفظا: فأعلاها ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حجة، أو عدل، أو حافظ، أو ضابط؛ والثانية: صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، ويقال: إنه سبقه إلى ذلك ابن أبي حاتم المتوفى سنة 327ه، وقام العلماء بنقد الحديث، ونقد السند، وتأريخ المحدثين، والحكم عليهم أو لهم، وأصبح الجرح والتعديل مبنيين على أصول من مثل كتاب التاريخ للبخاري، ووصلوا في ذلك إلى غاية بعيدة؛ فالخطيب البغدادي المتوفى في القرن الذي بعد قرننا يحكون عنه أنه كان عالما بالرجال علما واسعا، حتى إنه ألف كتابا في رواية الآباء عن الأبناء، وآخر في رواية الصحابة عن التابعين، وربما كانت كتاب السير، والعناية بالتاريخ منشؤها عناية المحدثين برجال الحديث، حتى إن الأدباء والمؤرخين قلدوا المحدثين في ذكر السند، كما فعل أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني»، والطبري في تاريخه، فإنهما يذكران السند مع أن السند في الأدب ليست له قيمة كبرى، فإن الخبر الأدبي، أو القطعة الأدبية لها قيمة ذاتية، ولو لم يصح سندها.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٣٥