ومن ألطف ما فيه أنه كان لا يؤمن بالسحر، والخرافات كرؤية الجن، فلما أتت الآيات يدل ظاهرها على السحر والعين، مثل قوله تعالى:
يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ، وسورة الفلق، أول
ومن شر النفاثات في العقد
بمن يطعم شيئا ضارا، أو يسقيه، أو يشمه، أو يجوز أن يراد بهن النساء الكيادات، أو اللاتي يفتن الرجال بتعرضهن لهم، وعرضهن محاسنهن كأنهن يسحرنهم بذلك، ونفى نفيا باتا ما يزعمه العوام من رؤية الجن، مستندا على قوله تعالى:
إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم
إلخ إلخ.
فالحق أنه بذل في هذا التفسير مجهودا جبارا يدل على عقل كبير، ومقدرة هائلة.
ولذلك كان موضع تقدير المعتزلة، والشيعة، والسنية على السواء، غاية الأمر أن غير المعتزلة كانوا يتحرجون فقط من موضع الاعتزال التي لا تتفق ومذهبهم.
ولذلك كان ابن جرير الطبري، والزمخشري عمادي كل من أتى بعدهما من المفسرين كالبيضاوي ، وأبو السعود، والفخر الرازي، وغيرهم.
ولئن شنع عليه قوم فإنهم مع تشنيعهم يقرون بفضله اللغوي، والبلاغي، وتبيين وجوه الإعجاز.
كان بجانب هؤلاء المفسرين بالمأثور، والمفسرين بالرأي على مذهب الاعتزال قوم يفسرون بالرأي على مذهب الشيعة، من تمجيد علي ونسله، وتحقير أبي بكر وعمر وأمثالهما، ويؤولون التأويلات البعيدة في ذلك، كقولهم: إن البقرة التي أمر قوم موسى بذبحها هي عائشة، وأن الجبت والطاغوت هما معاوية، وعمرو بن العاص، إلى آخر أقوالهم من ترهات.
وذهب قوم آخرون على تفسير القرآن بالتفسير الذي يتفق مع العقل المطلق؛ فكل ما ورد في القرآن مما قد يخالف العقل أولوه، حتى ذهبوا في ذلك مذاهب غريبة، فلما رأوا مثلا أن الأطفال الذين غرقوا في الطوفان مع آبائهم لم يكونوا مذنبين قالوا: إن الله أعقم النساء قبل الطوفان، فلم تحمل منهن واحدة خمس عشرة سنة. ولما استبعدوا أن يلبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما قالوا: إن المراد بذلك شريعته لا شخصه، وفسروا خروج ناقة صالح بالحجة الدامغة، وشربها ماء العين بإبطال تلك الحجة جميع ما خالفها. وقالوا في معجزة إبراهيم - عليه السلام: إن إبراهيم سحر أعين الناس الذين أوقدوا له النار، وطرحوه فيها، وطلا جسمه ببعض الأدوية التي يبطل معها عمل النار.
وقالوا في أصحاب الفيل الذين أهلكهم الله بحجارة من سجيل: إنه أصبهم الوباء من الماء والهواء، فحصبوا، وجدروا، وأهلكوا.
وقالوا في الهدهد الذي لم يره سليمان: إنه رجل، والنمل الذي جاء في
أتوا على واد النمل
قوم ضعاف خافوا من عسكر سليمان، والجن والشياطين الذين سخروا لسليمان هم عتاة الناس وأشداؤهم، وحذاقهم، وعرفاؤهم بالأمور الغامضة، وكذلك في جميع معجزات الأنبياء، ولم يقروا لمحمد
صلى الله عليه وسلم
إلا بمعجزة القرآن.
وربما دعاهم إلى ذلك ما ذهب إليه القصاص من ولعهم بالغرائب، كالذين قال فيهم القائل: «الحديث لهم عن جمل طار أشهى إليهم من الحديث عن جمل سار، ورؤيا مرية آثر عندهم من رواية مروية» في المعجزات، وفي قصص الأنبياء، ونحو ذلك، كالذي نراه في كتاب الثعلبي النيسابوري، وتفسيره المسمى «العرائس في قصص الأنبياء»، والذي نرى مثله فيما بين أيدينا في تفسير الخازن.
وفي هذا العصر ذهب قوم إلى القول في التفسير بالوقف، قالوا: إنا رأينا في القرآن آيات تدل على الجبر، وآيات تدل على الاختيار، ولا ندري كيف يؤول بعضهم إلى الآخر، فلنقف عند حدود ذلك، وندع علمها لله تعالى، وكثير من الآيات دلت على وجهين مختلفين، واحتملت معنيين متضادين. وكان من أشهر القائلين بهذا الرأي عبيد الله بن الحسن الأنباري، وقد سئل عن أهل القدر، وأهل الجبر، فقال: كل مصيب؛ هؤلاء قوم عظموا الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله.