سأريكم آياتي فلا تستعجلون ، فكيف ينهاهم عما خلقه فيهم؟ وأفاض في اللغة لعلمه الواسع بها، فأول مثلا
واتخذ الله إبراهيم خليلا
بأن الخليل معناه الفقير إلى رحمة الله من الخلة؛ استيحاشا من أن الله يكون خليلا لأحد من خلقه، مستدلا بقول زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة
يقول لا غائب مالي ولا حرن
أي: إن أتاه فقير.
ولكن على كل حال تعطينا هذه المدارس تفسيرا لبعض الآيات لا كلها على مذهب المعتزلة.
أما الذي يعطينا صورة كاملة، فهو تفسير الزمخشري المسمى ب «الكشاف»، فإن بلغ تفسير ابن جرير الذروة في التفسير بالمأثور، فقد بلغ الزمخشري الذروة في التفسير بالرأي.
ويمتاز تفسير الزمخشري ببيان أساليب القرآن وبلاغته، ودلاله إعجازه، وقد استطاع الزمخشري أن يفعل ذلك لتمكنه العظيم من اللغة، والأساليب العربية كما يدل عليه في كتابه «الأساس»، وتفرقته فيه بين الحقيقة والمجاز، وساعده على ذلك مكثه مدة في الحجاز، وسماعه بعض الأساليب العربية التي أثبتها في التفسير، وطال مكثه فيه، لقب «بجار الله». وكما كان متمكنا من اللغة كان متمكنا أيضا من مذهب الاعتزال؛ فأول كل الآيات التي تتصل بالأصول الخمسة كحرية إرادة الإنسان، ووجوب العدل، وتحقيق الوعد والوعيد، ووحدة الذات والصفات، إلى آخر ما يذهب إليه المعتزلة.
فمثلا يفسر قوله تعالى:
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
بأن الرؤية بالفؤاد لا بالأبصار، وإذ قال القرآن:
وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ، فظاهر الآية يدل على أن الإنسان مجبر أن يفعل المعصية، وهذا مخالف لمذهبهم، فهو يئول الآية حتى تلتئم مع مذهبهم، ومفتاح «الكشاف» قوله تعالى:
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ، فالمحكمة هي آيات الأصول الواضحة المعنى، مثل قوله تعالى:
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، فإذا أتت آية أو آيات تدل على خلاف ذلك وجب أن تئول، فقوله تعالى:
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
يفسر برضا الله، وتوقع العبد للنعمة جريا مع الآية الأولى. وقوله تعالى:
إن الله لا يأمر بالفحشاء
محكمة، فيجب أن يفسر مثل قوله تعالى:
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها
بما ينطبق معها، حتى لا تكون هناك مناقضة. وعلى هذا النحو سار في كل تفسير، من مثل قوله تعالى:
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن
فيقول: إن جعل بمعنى بين؛ لا بمعنى فعل، كقول الشاعر:
جعلنا لهم نهج الطريق فأصبحوا
على ثبت من أمرهم حيث يمموا
ويذهب الزمخشري في كثير من الآيات إلى اللجوء إلى اعتبار الآيات من قبيل المجاز، أو الاستعارة، أو التشبيه، كقوله تعالى:
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها
إلخ، فيذهب إلى أن عرض الأمانة من قبيل المجاز، والأمانة هي الطاعة، وكقوله تعالى:
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ، فهو يقول: هذا تمثيل وتخييل.
وكذلك سلك هذا المسلك في قوله تعالى:
ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ، فيقول: إن أمر السماء والأرض بالإتيان، وامتثالهما أنه تعالى أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع إلخ إلخ.
وكذلك فعل في كل ما يدل على تجسيم الله كاليد، والوجه، والعرش، والاستواء، ونحو ذلك، فكلها عنده مجاز، أو استعارة لا حقيقة؛ لأن الله منزه عنها.
وكان - رحمه الله - في طبيعته قاسيا، فلم يكتف بالتفسير الذي يريده، بل قسا على مخالفيه، ورماهم بالجهل، وأحيانا بالفسق، مما ألبهم عليه، حتى لم يسلم من لسانه أحيانا أصحابه من الرد عليهم، والتسفيه لبعض آرائهم.