اضربوه ببعضها ، فيسألون ما هو البعض الذي ضرب به، ويقول الله تعالى:
واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ، فيسألون: أي قرية؟ ومن أصحابها؟ وهكذا.
فكان ابن عباس يجيب عن هذه الأسئلة، وقد روى الكثير عن ابن عباس عكرمة هذا، ومجاهد، ومقاتل بن سليمان، فما جاء عصرنا الذي نؤرخه بلغ هذا النوع من التفسير أوجه في تفسير ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310ه، وهو صاحب الكتاب العظيم في التاريخ، وكتابه العظيم الآخر في التفسير، وكان مجتهدا أيضا في الفقه، ولكن طوى اجتهاده، وكان - رحمه الله - ذا عقل جبار في كل ناحية بحث فيها، ومنهجه في التفسير أن يجمع في كل آية التفسير بالمأثور، وفي الغالب يفضل أحد الأقوال، ولا يروي من الإسرائيليات والنصرانيات إلا بقدر، وينص في كثير من الأحيان على أن هذه أشياء لا قيمة لها، والجهل بها ليس ضارا، كالسؤال عن المائدة التي نزلت من السماء على عيسى، هل كان عليها طعام أم لا؟ وإذا كان عليها طعام فما هو؟ وهكذا، فيقول: العلم بذلك غير نافع.
وكذلك يقول مثلا في إخوة يوسف الذين باعوه بدراهم معدودة: بكم باعوه؟ فيقول: إن الله لم يحدد لنا مبلغ ذلك، ولا ورد لنا خبر من رسول الله، وليس للعلم بذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به ضرر، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه، كثير من أمثال ذلك مما يدل على حسن عقله. وكان ذا علم كبير باللغة، فيفضل شرح معنى لفظ على شرح معنى آخر، بفضل علمه الواسع باللغة، كذلك كون له عقيدة مثل الاختيار لا الجبر، ثم رجح التفسير الذي يؤيد هذا الاعتقاد، وجادل المعتزلة في بعض أقوالهم من غير أن يسميهم، وقد كانوا في هذا الوقت ظاهرين، فمثلا: يقول في قوله تعالى:
وقالت اليهود يد الله مغلولة
إن بعضهم يفسر اليد بالنعمة، ولو كان كذلك لم يقل تعالى:
بل يداه مبسوطتان ؛ لأن نعمة الله لا تحصى، ولو كانتا نعمتين كانتا محصاتين، وهكذا وهكذا.
تعرض للنزاع الذي وقع بين الفرق، وأدلى فيه برأيه، ومع هذا الفضل الكبير له، فقد هوجم من المحدثين، وخصوصا من الحنابلة، وناله الضرر منهم، وهو في درسه، فلما احتجب في بيته رموه بالحجارة حتى صارت أمام بيته أكواما، وذهب آلاف من الجند ليحموه، فلما مات لم يحتفل بجنازته، والله تعالى لا يعبأ بكل ذلك؛ فقد أكرمه الله بخير من هذه المظاهر جزاء جده وفضله.
ومع هذا فقد كان في العصور الأولى قوم يستعملون العقل أيضا في التفسير، وربما كان من أشهرهم مجاهد؛ فقد كان مطلعا يميل إلى الآراء العقلية، فيقول مثلا في قصة مسخ أهل السبت قردة: إن الله لم يمسخهم في أجسامهم، بل في قلوبهم، ويفسر بعض الأحاديث التي ورد فيها اهتزاز عرش الرحمن بالرضا، ثم ظهر على توالي الأزمان نواة التفسير العقلي على يد المعتزلة، ونجد مصداق ذلك في مثل الآيات التي فسرها الجاحظ في كتابه «الحيوان»، والآيات والأحاديث التي روي تفسيرها عن النظام، وبلغت هذه الحركة أيضا ذروتها في عصرنا هذا الذي نؤرخه على يد الزمخشري في «الكشاف».
فقد ألف كثير من المعتزلة كتب تفسير كثيرة، تبلغ المئات، ولكن لم يصلنا منها شيء، إنما وصلنا منها كتاب مجالس الشريف المرتضى، فقد كان يعقد مجالس يفسر فيها القرآن، والحديث، واللغة على طريقة المعتزلة؛ إذ كان هو نفسه شيعيا معتزليا، وقد وصلت إلينا هذه المجموعة، وطبعت في مصر باسم «أمالي المرتضى»، فالآيات التي ذكرها فسرها تفسيرا يوافق الأصول الخمسة للمعتزلة التي ذكرناها عند الكلام على المعتزلة، كقوله تعالى:
واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ، فظاهر هذه الآية يخالف ما يذهب إليه المعتزلة من حرية إرادة الإنسان، فأولها حتى لا يخرج عن مذهبهم، ومثل قوله تعالى:
خلق الإنسان من عجل ؛ لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره؟ ولو كان كذلك ما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في قوله تعالى: