تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من عادة الخلفاء والأمراء اهتمامهم بالخروج للصيد، وعده من الرياضة البدنية.

ويحكى عن السلطان مسعود السلجوقي أنه بالغ في ترفيه كلاب الصيد حتى ألبسها الجلال الموشاة، وسورها بالأساور من الذهب. وكان من عادة الخلفاء جمع السباع، وتربية الحيوانات الداجنة، وتأنيس الغزلان، وقالوا: إنه اجتمع عند العزيز الفاطمي صاحب مصر من غرائب الحيوان ما لم يجتمع عند غيره.

هذه صورة حاولنا بها توضيح هذا العصر بقدر الإمكان؛ اعتقادا منا بأنها ذات أثر كبير في حالة العلوم والآداب والفنون في ذلك العصر.

وقد كان صحيحا ما ذهب إليه «تين» الفرنسي من أن كل هذه الأشياء متأثرة لدرجة كبيرة بالبيئة؛ وقد عنى بالبيئة ما يشمل البيئة الاجتماعية.

ونعتقد أنه لولا هذه البيئة ما كان التصوف بهذا الشكل، ولا نبعت المقامات في الأدب، ولا غرق الأدب العربي في المديح. ولولا انتشار الشيعة في هذا الزمان ما كانت رسائل إخوان الصفاء على هذا النحو، ولا كان ما يحكى لنا من تحف نفيسة رائعة، ولا مبان ضخمة، ولا عمارات فخمة، ولولا هذه البيئة التي وصفنا ما كان إخفاء الكنوز، ولا كثرة الصعلكة في جانب، والترف والنعيم الكبيران في جانب آخر، ولا كان أبو العلاء يصرخ صرخته المعروفة في «اللزوميات».

وإذ قد فهمنا هذه البيئة كما وصفنا وتكلمنا في الجزء الأول من «ظهر الإسلام» عن حركة العلوم إجمالا، أمكننا الآن أن نبدأ في الكلام عنها في هذا العصر تفصيلا، والله الموفق.

| هوامش

| حركة العلوم تفصيلا

الفصل الأول

| التفسير والحديث وعلم الكلام

التفسير

رأينا فيما مضى أن التفسير كان تفسيرا بالمأثور، ونعني بالمأثور ما روي عن النبي

صلى الله عليه وسلم

والصحابة والتابعين في التفسير من مثل الأحاديث التي في صحيح البخاري ومسلم.

وكان كثير من الصحابة يتحرجون جدا أن يفسروا شيئا من القرآن خوف الزلل، وخوف الهجوم على تفسير قد يكون خطأ؛ كالذي روي أن أحد أصحاب ابن مسعود سئل عن سبب نزول آية من القرآن، فقال: عليك باتقاء الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن. وسئل سعيد بن جبير عن تفسير آية، فقال: لأن تقع جوانبي خير لي من ذلك.

ولكن كان من أجرأ الناس في التفسير عبد الله بن عباس ابن عم النبي

صلى الله عليه وسلم ، وجد الخلفاء العباسيين، فقد رويت عنه تفسيرات كثيرة لآيات كثيرة، حتى روي عنه تفسير شامل.

نعم، إن بضعها موضوع؛ ولكن ما صح بعد ذلك كثير، وقد اعتمد في التفسير على مصادر ثلاثة: أحاديث النبي

صلى الله عليه وسلم

في التفسير، والشعر الجاهلي والإسلام، وما كان يرويه اليهود الذين أسلموا، وخصوصا كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، ويكثر منه ذلك في قصص الأنبياء، وما يتصل بالتوراة.

وكان له تلاميذ كثيرون يأخذون عنه، من أشهرهم مولاه عكرمة، ولم يكن عكرمة هذا صادقا كل الصدق، وقد روي عنه بعض المتناقضات، كالذبيح؛ فقد روي عنه عن ابن عباس مرة أنه إسماعيل، ومرة أنه إسحاق. وقد لاحظ بعض النقاد أن ابن عباس نفسه يروي أحداثا حدثت وهو طفل، وأحيانا يروي أحداثا عن عهد لم يكن ولد فيه بعد؛ فقد كان اتصاله بالنبي

صلى الله عليه وسلم

وهو دون سن البلوغ، ومع ذلك عظم تعظيما جليلا. وربما كان من أسباب ذلك وجود الخلفاء العباسيين من ولده، وتملق الناس لهم.

وكان في العصور الأولى من يتثقف ثقافة يهودية واسعة، تسرب منها الكثير إلى المفسرين، كالذي يحكى عن رجل يقال له: أبو الجلد؛ كان يقرأ القرآن في كل سبعة أيام، ويختم التوراة في ستة أيام، ورأى الناس في اليهود علما بمسائل كثيرة تتصل بالقرآن، ثم كان ابن عباس ذا علم بالشعر القديم والحديث؛ كل ذلك مكنه من تفسير كثير من الآيات.

والناس من طبيعتهم حب السؤال عما يجهلون، يقول القرآن:

ظهر الإسلام · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٣١