تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم، إن بعض الطوائف أرادت أن تمحو الظلم كالفدائية، وهم المسمون بالإسماعيلية، أو الحشيشية، وعلى رأسهم كان الحسن الصباغ، فهؤلاء تعاقدوا على قتل الظلمة، وتحت تأثير هذه الدعوة قد شنعوا على الخلفاء والحكام، وكبروا مظالمهم، واغتالوا نظام الملك الوزير السلجوقي المشهور مؤسس المدرسة النظامية، ألفوا مؤامرات دقيقة لوضع نظم القتل، ولكن مع الأسف كانت طائفة فاطمية حزبية، تقتل السنيين، ولا تقتل العلويين، وحتى في قتلها السنيين لم تكن موفقة، فنظام الملك هذا من أحسن الرجال عدلا وعطفا على العلماء، وتشجيعا للعلم، ولم يقتلوا أحدا ظاهرا من الفاطميين، بينما كان فيهم من لا يقل فسادا عن السنيين، وإنما كان المسلمون في حاجة على فدائيين ليسوا متعصبين لمذهب دون مذهب، على أن الفدائيين أنفسهم لم يكونوا حسني السيرة، ولا طاهري الأخلاق.

يضاف على هذا الفساد نوع آخر منشؤه ضعف العقلية، وانتشار الخرافات والأوهام، فكم من الناس من أضاعوا ثرواتهم في قلب المعادن ذهبا، حتى مسكويه العالم المشهور وقع في هذا الخطأ، والإيمان بالمغيبات، والاعتقاد في النجوم والمنجمين، وتدجيل بعض الصوفية، وغير ذلك مما أشار إليه أبو العلاء في اللزوميات، هذا إلى انقسام الناس إلى عصبيات كثيرة كفيلة بأن تتلف أي أمة، فعصبيات الدم، كالفرس، والأتراك، والعرب، والأكراد، وعصبيات للبلاد كبصريين، وكوفيين، ودمشقيين، ومصريين إلخ. هذا عدا عصبيات دينية كشافعية، ومالكية، وحنفية، وسنية، وشيعة، وكل منها يتفرع إلى جملة مذاهب، إلى إسراف في الشهوات بسبب ما أغدق على السكان من رقيق مختلف الأنواع، سود وبيض.

وقد كان النحاسون يجعلون بيوتهم مواخير يقصدها الشبان، فقد حكى لنا الوشاء في كتابه «الظرفاء» صفة هذه المواخير، وكيف أن الشبان تتحبب الفتيات إليهم استنزافا لأموالهم، حتى إذا أتلفوها أعرضن عنهم، وكيف كان تتدفق فيها الخمور، ويلعب القواد دورالوسيط، إلى كثير من أمثال ذلك.

ويصف لنا أبو المطهر الأزدي منافقا كان يجلس بين أدبيين، فيلتفت إلى اليمين ليستمع من صاحبه شعرا، ويقسم الأقسام المغلظة أنه شعر بديع لم يقل قائل مثله في بلاغته، وروعته، وألفاظه، ومعانيه؛ ويلتفت إلى من بيساره فيذم له هذا الشعر الذي سمعه، ويسمع منه شعره هو فيطريه أيما إطراء، ويقسم على ذلك أيما قسم، ثم يلتفت إلى من باليمين ثانية فيذم له من باليسار، وهكذا دواليك. ولعل هذا المنافق لم يكن إلا واحدا من المنافقين الكثيرين، وهل مداح الخلفاء والأمراء مع علمهم بظلمهم إلا من هذا القبيل؟

فليس عجيبا أن تتدهور البلاد وتنحط الأخلاق؛ إنما قد يكون عجيبا أن تبقى بعد ذلك وهذه حالها. •••

نتعرض بعد ذلك إلى بعض أشياء أخرى كانت في المملكة الإسلامية في هذا العصر، من هذا العيارون، فهم قوم من اللصوص كانوا يتخذون لهم لبسا خاصا، ويقول فيهم الشاعر:

خرجت هذه الحروب رجالا

لا لقحطان ولا لنزار

معشر في جواشن المصر يعدو

ن إلى الحرب كالليوث الضواري

ليس يدرون ما الفراد إذ الأ

بطال عاروا في القنا للفرار

واحد منهم يشد على ألفي

ن، عريان ما له من إزار

ويقول الفت إذا طعن الطع

نة خذها من الفتى العيار •••

ويقول ابن الأثير: إن العيارين ظهروا في سائر المدن الإسلامية، وعظم شأنهم، وكثيرا ما كان الوزراء، وغيرهم من أرباب الحل والعقد يقاسمونهم، ويسكتون عنهم، وقد يسمون أحيانا شطارا، وكانوا يمتازون أيضا بملابس خاصة، وسماهم ابن بطوطة في أيامه بالفتاك، وبعضهم كان يزعم أن الأغنياء لما امتنعوا عن دفع الزكاة أخذوها هم قسرا.

وكان من محاسنهم - ولا شك - الكرم، وخصوصا تحبب الخلفاء والأمراء للعامة بأساليب السخاء كالضيافة، ونصبهم الموائد للطعام، يتجمع عليها الألوف من الناس، ثم إنهم تفننوا في الأثاث والرياش والمجوهرات، وشاعت بينهم المسكرات، وزادت بعد أبي نواس من طول ما تغزل بها، وكانوا يشربون النبيذ بالأرطال، وانتشر الشراب في العامة، وقد حكي عن الحاكم بأمر الله الفاطمي، أنه أمر بإراقة الخمور، وبإراقة العسل حتى لا تصنع منه.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٣٠