والثانية لزوميات أبي العلاء، وفيها العجب العجاب من وصف فساد ذاك الزمان.
فأمراء:
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
فعدوا مصالحها، وهم أجراؤها •••
يسوسون الأنام بغير عقل
فينفذ أمرهم ويقال ساسه
فأف من الحياة وأف مني
ومن زمن رئاسته خساسه •••
واخش الملوك وياسرها بطاعتها
فالملك للأرض مثل الماطر الساني
إن يظلموا فلهم نفع يعاش به
وكم حموك برجل أو بفرسان
وهل خلت قبل من جور ومظلمة
أرباب فارس أو أرباب غسان •••
يكفيك حزنا ذهاب الصالحين معا
ونحن بعدهم في الأرض قطان
إن العراق وإن الشام مذ زمن
صفران ما بهما للملك سلطان
ساس الأنام شياطين مسلطة
في كل مصر من الوالين شيطان
من يحفل حمض الناس كلهم
إن بات يشرب خمرا وهو مبطان •••
لعمرك ما في عالم الأرض زاهد
يقينا، ولا الرهبان أهل الصوامع
أرى أمراء الناس يمسون شرهم
إذا خطفوا خطف البزاة اللوامع
وفي كل مصر حاكم فموفق
وطاغ يحابي، في أخس المطامع
يجور فينفي الملك عن مستحقه
فتسكب أسراب العيون الدوامع
ومن حوله قوم كأن وجوههم
صفا لم يلين بالغيوث الهوامع
وسواء في ذلك ملوك أهل السنة، والإمام الذي يدعى معصوما عند الشيعة:
يرتجي الناس أن يقوم إمام
ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الظن لا إمام سوى العق
ل مشيرا في صبحه والمساء •••
وما صح للمرء المحصل أنه
بكوفان قبر للإمام يزار
أخو الدين من عادى القبيح وأصبحت
له حجزية من عفة وإزار
والشعراء لا ينصحون الأمراء، ولكن يتملقون:
وما شعراؤكم إلا ذئاب
تلصص في المدائح والشباب
أضر لمن تود من الأعادي
وأسرق للمقال من الزباب
والوعاظ ينافقون، فيقولون ما لا يفعلون:
رويدك قد غررت وأنت حر
بصاحب حيلة يعظ النساءا
يحرم فيكم الصهباء صبحا
ويشربها على عمد مساءا •••
لعل أناسا في المحاريب خوفوا
بآي كناس في المشارب أطربوا
إذا رام كيدا بالصلاة مقيمها
فتاركها عمدا إلى الله أقرب
طلب الخسائس وارتقى في منبر
يصف الحساب لأمة ليهولها
ويكون غير مصدق بقيامة
أمسى يمثل في النفوس ذهولها
والمنجمون يضحكون على عقول النساء:
سألت منجمها عن الطفل الذي
في المهد كم هو عائش من دهره
فأجابها مائة ليأخذ درهما
وأتى الحمام وليدها في شهره •••
لقد بكرت في خفها وإزارها
لتسأل بالأمر الضرير المنجما
وما عنده علم فيخبرها به
ولا هو من أهل الحجا فيرجما
ويوهم جهال المحلة أنما
يظل لأسرار الغيوب مترجما
ولو سألوه بالذي فوق صدره
لجاء بمين أو أرم وجمجما
وقد ذكر في اللزوميات أيضا النساء وتبرجهن، وغشيانهن الحمامات للهو والفساد.
وعلى الجملة، فالناس كلهم أجناس، وهم كلهم أنجاس:
لو غربل الناس كيما يعدموا سقطا
لما تحصل شيء في الغرابيل
أو قيل للنار خصي من جنى أكلت
أجسادهم وأبت أكل السرابيل
أغشى الأنام تقي من ذرى جبل
يرضى القليل ويأبى الوشي والتاجا
وأفقر الناس في دنياهم ملك
يضحي إلى اللجب الجرار محتاجا
وهكذا وهكذا من فساد جعله يصب جام غضبه على أهل زمنه، ويصرخ فيقول:
الناس صنفان: ذو دين بلا
عقل، وآخر دين لا عقل له
وقد صور لنا أبو حيان التوحيدي مجالس العلماء، وموضوعات أبحاثهم في كتبه، فحكى لنا المجلس الذي كان يعقد في بيت أبي سليمان المنطقي من بحث كل يوم في مسألة تارة لغوية، وتارة أدبية، وكثيرا ما تكون فلسفية.
وكان يحضر المجلس أبو الحسن العامري، وغلام زحل وغيرهما، ودون محاضر الجلسات في كتابه المسمى «بالمقابسات»، كما حكى لنا نوع المشاكل التي كانت تجري في زمنه، في كتابه «الهوامل والشوامل»، وصور لنا أيضا ما كان يدور بينه وبين الوزير ابن سعدان من مسائل كثيرة؛ ألف له من أجلها رسائل كثيرة، ووصف لنا وصفا شنيعا قبيحا الوزيرين ابن العميد، وابن عباد في كتابه «مثالب الوزيرين»، الذي ذكر منه نبذة ياقوت الحموي في «معجم الأدباء».
ومما يؤسف له أن علماء الدين والأدباء لم يرفعوا صوتا لاستنكار هذه الأحداث، بل كانوا يؤيدونهم في ظلمهم؛ فهذا قاضي سيف الدولة يجمع له مال الرعية ظلما وعدوانا. وهذا أبو الطيب المتنبي يمدحه حتى تقرأ، فكأن سيف الدولة ملك كريم، وعادل رحيم؛ عكس تاريخه. ويأتي المتنبي إلى كافور، فيعلي شأنه، ويرفع من مقامه، ولا يغضب عليه، ولا ينقده، إلا لأنه لم يمنحه ضيعة أو ولاية، فإن كان قد منحها، كان قد أضفى عليه من الألقاب والصفات ما لا قول بعده لقائل.