وفي هذه الأعياد كانوا يحتفلون في البحر، كما يحتفلون في البر، فيركبون مراكب تسمى السمريات، تحمل فتيات ونبيذا، ويفرحون ويصيحون؛ فترى من هذا كثرة الأعياد التي ينتهزونها فرصة للأفراح. ومن الأعياد الفارسية المشهورة كان عيد النيروز، وهو عيد السنة الجديدة، فكانت تهدى فيه الهدايا، ويخرج إلى المتنزهات، هذا عدا الأعياد الإسلامية، كاحتفالهم في رمضان، وإطعامهم الفقراء، والتصدق على المساكين، وعيد الفطر، وعيد الأضحى.
وعلى الجملة فكانت هذه الأعياد - النصرانية، والفارسية، والإسلامية، والطبيعية التي يشترك فيها الكافة - متنفسا للشعب يجدون فيها راحتهم، وينسون فيها غمومهم وهمومهم من ظلم الحكام، ومصائب الزمان.
ولدينا وثيقتان تدلان على فساد هذا العصر وحواشيه؛ إحداهما أرجوزة الخليفة عبد الله ابن المعتز، نظمها في وصف دهره، وقد ذكرنا منها وصف اغتيال المواريث، ومنها:
والعلوي قائد الفساق
وبائع الأحرار في الأسواق
ويقول في الشيعة:
يدعون للإمام كل جمعة
ولا يردون إليه قطعة
وهم يجورون على الرعية
فساد دين وفساد نية
ويأخذون مالهم صراحا
ويخضبون
4
منهم السلاحا
ويقول في نبيل عذب:
فكم وكم من رجل نبيل
ذي هيبة ومركب جليل
رأيته يعتل بالأعوان
إلى الحبوس وإلى الديوان
وجعلوا في يده حبالا
من قنب يقطع الأوصالا
وعلقوه في عرى الجدار
كأنه برادة في الدار
وصفقوا قفاه صفق الطبل
نصبا بعين شامت وخل
وحمروا نقرته بين النقر
كأنها قد خجلت ممن نظر
إذا استغاث من سعير الشمس
أجابه مستخرج برفس
وصب سجان عليه الزيتا
فصار بعد بزة كميتا
حتى إذا طال عليه الجهد
ولم يكن مما أراد بد
قال ائذنوا لي أسأل التجارا
قرضا وإلا بعتهم عقارا
وأجلوني خمسة أياما
وطوقوني منكم إنعاما
فضايقوا وجعلوها أربعة
ولم يؤمل في الكلام منفعه
وجاءه المعينون الفجره
وأقرضوه واحدا بعشره
وكتبوا صكا بيع الضيعة
وحلفوه بيمين البيعه
ثم تأدى ما عليه وخرج
ولم يكن يطمع في قرب الفرج
ويصف نهب الأعراب في الطرقات فيقول:
وتاجر مع حجه وعمرته
يطلب ربح ماله في سفرته
مقدر في الربح أضعاف الثمن
من قاصد صنعا إلى أرض عدن
فهم كذاك سائرون ظهرا
أو تحت ليل أو ضحى أو عصرا
إذ قال قد جاءكم الأعراب
وكثر الطعان والضراب
وصار في حجهم جهاد
واحمرت السيوف الصعاد
5
ويقول في وصف الكوفة:
واستمع الآن حديث الكوفة
مدينة بعينها معروفة
كثيرة الأديان والأئمة
وهمها تشتيت أمر الأمة
وهم بنوا للجور صرحا محكما
فاتخذوا إلى السماء سلما
أخذوا وقتلوا عليا
العادل البر التقي الزكيا
وقتلوا الحسين عند ذاكا
فأهلكوا أنفسهم إهلاكا
وجحدوا كتابهم إليه
وحرفوا قرآنهم عليه
ثم بكوا من بعده وناحوا
جهلا كذاك يفعل التمساح •••
ويصف بعض الناس يتفلسف ولا يتعرب فيقول:
ثم إذا ما قام عن غذائه
وفرغت قهوته بمائه
تناول الريشة والطنبورا
فأضحك الصغير والكبيرا
وضاعت الأمور عند ذاكا
وأظهر التعطيل والإشراكا
ومدح أفلاطون والفلاسفة
وساعدته في هواه طائفة
وذكر السعود والنحوسا
والجوهر المعقود والمحسوسا
وذرع طول الأرض والأفلاك
وكم بلاد الصين والأتراك
واستثقلوا من قام للصلاة
فكيف من طول في القراة
وطعنوا في الفقه والحديث
وعجبوا من ميت مبعوث
ويقول في المشاغين من الجند:
وكل يوم ملك مقتول
أو خائف مروع ذليل
أو خالع للعقد كيما يغنى
وذاك أدنى للردى وأدنى
وكم أمير كان رأس جيش
قد نغصوا عليه كل عيش
وكل يوم شغب وغصب
وأنفس مقتولة وحرب
وكم فتى قد راح نهبا راكبا
إما جليس ملك أو كاتبا
فوضعوا في رأسه السياطا
وجعلوا يردونه شطاطا
وكم فتاة خرجت من منزل
فغصبوها نفسها في المحفل
وفضحوها عند من يعرفها
وصدقوا العشيق كي يقرفها
وحصل الزوج لضعف صلته
على نواحه ونتف لحيته
ويطلبون كل يوم رزقا
يرونه دينا لهم وحقا
كذاك حتى أفقروا الخلافه
وعودوها الرعب والمخافه
وهذه أرجوزة طويلة مملوءة بالفضائح ووسائل الفساد، وهي مثبتة في ديوان ابن المعتز.