تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وكانت المعيشة في الأوساط الفقيرة تتطلب نحوا من ثلاثمائة درهم، أي نحو مائة وعشرين جنيها في السنة لرجل متزوج وله ولد، أما المعيشة العالية، فلا حد لنهايتها. ويحدثنا كتاب «الفرج بعد الشدة» أن رجلا كان يغني لسيدة؛ فأورث ابنا له أربعين ألف دينار، ولما بلغ رشده صرف منها ألف دينار، اشترى بها بيته القديم، وسبعة آلاف أصلح بها أثاثا فخما للبيت، من سجاجيد وملابس، وإماء، وعبيد، وغير ذلك. وخصص ألفين لتكون رأس مال للتجارة، ودفن عشرة آلاف ليوم الحاجة، وخصص عشرين ألفا لشراء ضيعة يستعين بها على الأيام.

وكان من مظاهر نعمة الأغنياء السكنى في السراديب صيفا، والثلج لشرب الماء البارد يستحضرونه حتى من الأماكن البعيدة، كما استعملوا في البيوت المراوح المبلولة بالماء من الخيش، يحركها بعض الخدم، وكان هذا هو النظام المتبع للتبريد في ذلك العصر.

واتخذوا في بيوتهم الأماكن الواسعة توضع فيها الأرائك يجلسون عليها ليلا لسماع الغناء، وللشراب، وللحديث اللذيذ.

وبعضهم يعني بالأزهار، يشتريها بالمال الوفير، ويستحضرها في المجالس، كل زهور في مواسمها، وإذا قرأنا ما خلفته الدولة الفاطمية في القاهرة، رأينا مقدار الترف الذي كانوا يعيشون فيه.

وقد عني الأغنياء بالبرك، وبالأشجار في قصورهم، وبالصناعة الخشبية، كالمشربيات، وتزيين الأبواب والحمامات؛ كما عنوا بإنشاء الحمامات العامة للشعب، أخذا من العادات الفارسية، وعرفوا «الإسفلت»، وأخذوه من مكان بين الكوفة والبصرة، وقالوا: إنهم مهروا في صناعته، فكانوا يجعلونه كأنه مرمر أسود، ويغطون به بعض الحيطان.

وبالغ المترفون في كل شيء في الحياة وفي الممات، حتى إن قريبا من أقرباء سيف الدولة الحمداني مات فغسل تسع مرات، بأنواع مختلفة من العطور السائلة، وبهذه المناسبة نذكر أنه كان من المعتاد في هذا العصر المبالغة في مظاهر الحزن على الميت، وكان بعض العلماء يسمح لأهلهم أن يدفنوا في بيوتهم.

وانتشرت مجالس الشراب، وأسرف أهلها في الاستعداد لها، من أزهار، وفاكهة، وصحاف، وأنوار، حتى كان بعضهم من إسرافهم يأكل بملعقة، ويغيرها في كل لعقة كما يحكى عن الوزير المهلبي، واعتادوا غسل أيديهم قبل الأكل وبعد الأكل.

ووجدت بيوت النخاسين يبيعون فيها القيان، وأحيانا تقام فيها حفلات الرقص والغناء، ويصب فيها أولاد الأغنياء أموالهم، ويبتز فيها الشابات المغنيات أموال الأغنياء، كالحال اليوم، كما يحكي صاحب «الظرف والظرفاء».

وانتشر للتسلية ألعاب النرد والشطرنج، ولابن الرومي وصف بديع للاعب شطرنج ماهر، وكثرت الضرائب، وتنوعت لما احتاج الخلفاء إلى المال، فضربوا الضرائب على المغنيات، وعلى الحوانيت، وعلى السفن، وغير ذلك.

واختلفت المدن، وتنوع نمطها إلى أربعة أنواع: مدن يغلب عليها الطابع اليوناني، كمدن البحر الأبيض المتوسط؛ ومدن يغلب عليها الطابع العربي كمدن الحجاز، ومدن اليمن؛ ومدن يغلب عليها الطابع الفارسي كمدن العراق؛ ومدن يغلب عليها الطابع الروماني كبعض مدن الشام.

وكل مدينة لا بد أن يشوبها بعض من الأنماط الأخرى. •••

وقد حلى الشعب عيشته بالأعياد الكثيرة تقام من حين إلى حين، وانتهزوا هذه الفرص ليتمتعوا بملاذ الحياة، لا يمنعهم عن ذلك ما إذا كانت الأعياد نصرانية الأصل، أو فارسية الأصل، فيكاد كل دير الأديار يقام لقديسه عيد ميلاد، يستمتعون فيه بشرب النبيذ المعتق، والنساء، والعزف، ونحو ذلك.

ويحدثنا الشابشتي في كتابه عن الأديار، وابن المعتز في بعض قصائده عن كثير من هذه الأعياد، كما ورد كثير من ذكر «عيد الشعانين»، وقد اتخذوه عيدا عاما، وكانوا يسمونه في مصر «عيد الزيتون»، ويحمل كل من الشبان والأطفال خوص النخل، ويسيرون به في الشوارع، كذلك كانوا يحتفلون كما نفعل اليوم بيوم السبت الذي قبل شم النسيم، بأكل البيض، وصبغته ألوانا، وكانوا يحتفلون في بغداد مسلمهم ونصرانيهم بآخر سبت في سبتمبر عند دير يسمونه دير الثعالب. وفي الثالث من أكتوبر كانوا يحتفلون في دير يسمى «دير أشمونة»، وكان عيدا كبيرا من أعياد البغداديين، وهكذا، وهكذا مما يطول شرحه.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٢٧