تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا عدا مجالس العلماء أنفسهم، كمجلس أبي سليمان المنطقي، وابن أبي عامر، وغيرهما، كل هذه كانت مراد الناس، يستنشقون منها العلم والأدب، ويتسامرون فيها السمر اللذيذ، وإذا راجعنا الكتب المؤلفة التي كانت نتيجة هذه المجالس استكثرناها.

ومن مظاهر هذا العصر فشو اللحن، وخصوصا في البيوت والشوارع؛ وذلك لكثرة الجواري الأعجميات، وغلبة الأتراك حتى على القصور، فانتشرت الياء في آخر الكلمات، وأبدلوا جمع فعاليل بفعالل، وقالوا: أخير وأشر، بدل: خير وشر. ولم يفرقوا بين فعلة للمرة، وفعلة للهيئة، ولم يفرقوا تفرقة تامة بين الفعل المتعدي، والفعل اللازم، وقالوا: إن لغة البحتري أحط من لغة أستاذه أبي تمام، وقد قال عنه أحد معاصريه: إنه لاحن جاهل، فقال مثلا:

يا مادح الفتح ويا آمله

لست امرأ خاب ولا مثن كذب

بدل مثنيا.

وعابوه في قوله:

ولو أنصف الحساد يوما أملوا

مساعيك هل كانت بغيرك أليقا

بدل مساعيك.

فإذا وصلنا إلى عصرنا كان اللحن أفشى حتى بين العلماء، وحتى عدوا من يتكلم باللغة الفصحى متكلما على النمط البدوي القديم، وقالوا: إن ثعلبا النحوي الشهير كان يتكلم في مجالسه فيلحن، ويقول قدامة بن جعفر: إن الفصاحة الكاملة، وصحة الإعراب لا تتم إلا لأعرابي بدوي نشأ حيث لا يسمع إلا الفصاحة؛ بل يرى أنه يجب استعمال اللحن، وأن يتعمد له عند الرؤساء والملوك الذين يلحنون، فإن الرئيس أو الملك لا يجب أن يرى أحدا من أتباعه فوقه.

ومتى رأى أن أحدا منهم قد فضله في حال من الأحوال نافسه وعاداه؛ كالذي روي أن رجلا تكلم في مجلس بعض الخلفاء الذين كانوا يلحنون فلحن، فعوتب على ذلك، فقال: لو كان الإعراب فضيلة لكان أمير المؤمنين إليها أسبق. وقال: إن اللحن قد يستملح من الجواري والإماء، وذوات الحداثة من النساء؛ لأنه يجري مجرى الغرارة منهن، وقلة التجربة.

وربما كان هذا هو السبب الذي دعا بعض العلماء المتزمتين إلى وضع كتب في ألحان العوام كما فعل الحريري وغيره، ومثل كتاب «فعلت وأفعلت» الذي حوى كثيرا من أغلاط العامة، وبهذا أيضا تكونت اللهجات العامية في الأقطار المختلفة، وأصبح لكل قطر لغة عامية، ومن أجل هذا أيضا نشأ الخلاف بين الأحرار الذين لا يتبعون قواعد النحو بدقة، وبين المتزمتين من النحويين، وفي ذلك يقول الشاعر:

ماذا لقيت من المستعمرين ومن

قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا

إن قلت قافية بكرا يكون بها

بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا

قالوا لحنت، وهذا ليس منتصبا

وذاك خفض، وهذا ليس يرتفع

وحرضوا بين عبد الله من حمق

وبين زيد، فطال الضرب والوجع

وطعن الصاحب بن عباد على المتنبي؛ لتفاصحه، واستعماله الألفاظ النادرة الشاذة؛ فيجمع مثلا ركب الإبل على صيغة ركبات.

ولا ننكر أن هؤلاء المتزمتين كان لهم فضل كبير في المحافظة على اللغة الفصحى على مدى الأزمان.

وجاء ابن حجاج، وابن سكرة فاستعملا كثيرا من الألفاظ العامية، والأساليب العامية، والعادات العامية، فكثيرا ما نجد ابن حجاج يستعمل كلمات فارسية مثل: كلمة «هم» الفارسية بمعنى «أيضا»، وكان يستعمل «شوش» بمعنى «أزعج»، و«رأسمال» إلى غير ذلك.

ولا يقل ابن سكرة شيئا عنه في ذلك، وظلت اللغة العامية تنفصل عن اللغة الفصحى، وتتسع بينهما هوة الخلف على مر الأزمان، وفي كل الأقطار، حتى كونت اللغة العامية لها أدبا خاصا من موشحات، وأزجال، وأمثال، وجرؤت فيما بعد حتى هزأت النحو على النحو الذي ذكره الشربيني في كتابه «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف»، وتبعه في ذلك غيره.

وفي العصر الحاضر رقيت اللغة العامية، وقربت من الفصحى بفضل الإذاعات والجرائد والمجلات، ولم يعقهما عن الاتصال ثانية إلا ما في اللغة العامية أحيانا من الحرفشة - على حد تعبير ابن خلدون - وما في اللغة العامية من وقف، وعدم إعراب.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٢٦