تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد سببت الحروب الصليبية من عهدها الأول كثرة الجواري البيض المأسورات في الحروب، فكانت توزع على البيوت، ومن أجل هذا كثر العنصر الفرنجي فيها، وهن عادة يثرن على تعدد الزوجات، وعلى ملك اليمين؛ ولذلك يجعلن البيت جحيما.

وإذا كانت الصناعات الجيدة لا تروج إلا عند هؤلاء الأغنياء، ولا يدفع ثمنها العالي إلا منهم، كانت الصناعات قسمين فقط: قسما فاخرا لبيوت الأغنياء، وقسما وضيعا للشعب، وانصرف العمال عن الصناعات الوسطى، فكنت تجد العمال الماهرين يصنعون الملابس الجميلة جدا المزركشة في مصانع تنيس، وما إليها، والخزف الجيد، والصدف، والطرف الباهرة، وصناع الشعب يصنعون الأشياء العادية، وربما كان ذلك متسلسلا إلى اليوم.

وشجع على هذه الفكرة أنه كان يرسل إلى الخلفاء والأمراء مع أموال الخراج بعض الهدايا الثمينة المصنوعة صناعة فائقة تسترعي النظر، وربما كانت المدن أحسن حالا من القرى؛ فإن المدن بما يصب فيها من مال الأمراء والولاة كانت أكثر ترفا ونعيما، فهذا جوهري بالكرخ، يساومه أحد البرامكة على سقط من الجوهر بمبلغ سبعة ملايين من الدراهم فيأبى، وهاك ابن الجصاص - تاجر الجواهر في مصر - يصادر على مال تزيد قيمته على عشرين مليونا من الدنانير كما ذكرنا. وكان في بغداد شريف يسمى محمد بن عمر، بلغت غلة أملاكه مليونين ونصفا من الدراهم، وكان في إصطخر بيت ينتسب إلى آل حنظلة ابتاع بمبلغ مليوني درهم مصاحف فرقها على الفقراء. أما القرى فيعملون في الأرض، ويبتز أموالهم الملاك، ويقتنعون بالحصول على ما يسد أودهم، وربما كان إذا عثر أحدهم على مال كثير مات من الفرح، كالذي يحكي أن صيادا وهب مالا في أيام أحمد بن طولون، فلما عاد ابن طولون بعد ما مر عليه وجده ميتا، وابنه يبكيه، فقال له: خذ مال أبيك، فقال: إن أخذته مت موتته، فأشار بأن يشتري له بيت بخمسمائة دينار، وقال: إن الغنى يحتاج إلى تدريج، وإلا قتل صاحبه، وكان يجب أن يدفع إلى مثل هذا دينار إلى دينار.

وقد اشتهر من هذه الطبقة العليا جماعة كانوا أرستقراطيي النسب، كانتسابهم إلى علي وفاطمة، أو كالبكريين والعمريين، أو انتسابهم إلى بيوت اشتهرت بالمجد، كانتسابهم إلى الأبناء، ويعنون بالأبناء من كانوا من أبناء الجند الذين أسسوا الدولة العباسية، وهكذا، فهؤلاء كانوا أرستقراطيين في نسبهم، وإن لم يكونوا أرستقراطيين في أموالهم. •••

وقد اشتهر في هذا القرن الرابع عدد كبير من الأرستقراطيين، نذكر من بينهم على اختلاف أنواع أرستقراطيتهم إبراهيم بن هلال الصابي، معز الدولة بن بويه، جحظة البرمكي، المتنبي، بديع الزمان الهمذاني، أحمد بن طباطبة، الصاحب بن عباد، أبا علي القالي، عز الدولة بن بويه، جوهر الصقلي، أبا علي الفارسي، ابن خالويه، ابن الحجاج، ابن نباته، عبيد الله المهدي الفاطمي، الأشعري، عماد الدولة بن بويه، سيف الدولة، فاتكا الرومي، عضد الدولة، كافورا الإخشيدي، الوزير ابن بقية، ابن جرير الطبري، ابن دريد، ابن العميد، ابن سكرة، الجبائي، الصولي، ابن الأنباري، العزيز بالله بن المعز، ابن جني، وغيرهم، ولكن إن أكثرنا من الكلام في ظلم الحكام وعسفهم، فلن يفوتنا أن قليلا منهم كان عادلا: كعلي بن عيسى، وقليل غيره.

وشاعت كثرة المجالس، فكان بعض الأمراء والوزراء يعقدون مجالس يجري فيها الأدب والعلم، وأحيانا الشراب، وأحيانا هما معا. ويروي لنا التاريخ مجالس كثيرة من هذا القبيل، وربما تنافس الأمراء في ذلك بعد استقلالهم؛ فخرا بسلطتهم، ومن يتصلون بهم، فكم روي لنا عن الوزير المهلبي من مجالس عظيمة فيها شعر، وفيها قصص أدبية، كان من نتيجتها كتاب «الأغاني»، ويحكى لنا أن سيف الدولة كان له من الشعراء وغيرهم مثل ما كان للرشيد، ومن خريج مجالسه المتنبي، وأبو فراس، والفيلسوف الفارابي، وابن خالويه النحوي، وغيرهم. وكذلك في مصر كان يعقوب بن كلس وغيره.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٢٥