زد على ذلك كثرة النفقة على العمال، وعلى القضاء والكتاب، فقد حكوا أن راتب أحد الكبار في هذا العهد كان ثلاثة وثلاثين دينارا وثلثا في اليوم؛ أي ما يقرب من ألف دينار في السنة، وهو ما يساوي خمسة آلاف جنيه اليوم.
وحكوا أن الحسين بن علي المادراني العامل على مصر في أوائل القرن الرابع الهجري كان مرتبه ثلاثة آلاف دينار في الشهر، وحكوا أن كاتبا من كتاب مصر في عهد الدولة الفاطمية كان يقدم له في اليوم الواحد من البقول، والحلوى، والأثمار، والفاكهة، والعطريات، ومن الألبسة والأفرشة، ما يستغرق تعداده صفحتين أو ثلاثا من القطع الكبير، وكان الوزراء يتقاضون أكثر من ذلك، فقد حكوا أن راتب الوزير في العهد الفاطمي كان خمسة آلاف دينار في الشهر، عدا ما يجري عليه، وعلى أهله من مأكولات وملبوسات، فأين يأتون بهذه الأموال كلها من غير المظالم التي ذكرناها؟ وكان الاعتقاد السائد أن الغنى والفقر من السماء، عكس ما نعتقد الآن أنه نتيجة للنظام الاجتماعي، وعلى هذا الاعتقاد وضع قانون تحديد الملكية، ونظام الضرائب التصاعدية؛ ولذلك نجد في هذا العصر الأتراك في بغداد، والبويهيين يعسفون بالناس ويظلمون، ورأينا سيف الدولة ابن حمدان ينهب كثيرا، ويهب كثيرا، فيهب المال الكثير للمتنبي؛ لأنه يمدحه، ويبخل على ابن عمه أبي فراس بفدائه من الأسر؛ إذ كان أسيرا في القسطنطينية. ونرى خمارويه بن أحمد بن طولون يخرب مصر عندما زوج بنته قطر الندى للخليفة العباسي، ويصنع الهواوين من الذهب الخالص، ويبني لها دارا من مصر إلى بغداد في كل مرحلة، ويأتي بعد الحاكم بأمر الله، فينفق المال بالهيل والهيلمان على من يريد، ويمنع من يريد، فالفرق بين الطبقة العليا والدنيا فرق كبير. هذا أبو حيان التوحيدي على علمه وفضله يضطر إلى أن يأكل الحشائش من الصحراء، وهذا أستاذه أبو سليمان المنطقي لا يجد أجرة مسكنه، حتى يعطيه عضد الدولة البويهي مائة دينار، وهذا الميداني صاحب كتاب «الأمثال» مع علمه، وفضله، ونبله مقتر عليه في رزقه بسبب عفته. ومن أجل هذه المظالم اضطر الفلاحون على أن يسلكوا سبيلا اسمه «الالتجاء»، وهو أن يكتبوا أملاكهم صوريا للأمراء والأعيان، حتى يخفف عنهم الخراج بمقدار النصف أو الربع؛ لأن الضريبة لم تكن عادلة، وكثيرا ما ضاعت أملاكهم من هذا الطريق، فادعى الأغنياء ملكيتها، أو ادعاها ورثتهم من بعدهم، ومثل هذا ما يحدث اليوم من بيع الشركات بعض الأراضي لأصحاب الجاه بثمن بخس، حتى يمد إليها الماء والكهرباء بسبب جاههم، فترتفع الأثمان أضعافا مضاعفة، وسميت هذه الطريقة بالالتجاء؛ لالتجاء الفلاحين إلى الأغنياء. •••
من أجل هذا كله انحلت الأخلاق، فقل أن تجد رجلا نبيلا فاضلا؛ لأن الذي يكون الأخلاق البيئة الخارجية، والبيئة الداخلية، وكلتاهما كانت فاسدة، فقد رأيت البيئة الخارجية - وأعني بها الحكام - وما كان يجري على أيديهم من المظالم عن طريق المصادرات والرشا.
فقد حكوا أن واليا عين في يوم واحد سبعة عشر عاملا على بلد واحد في يوم واحد؛ لأنه كان يأخذ من العامل الجديد كل مرة أكثر مما يأخذه من العامل المعزول، فاجتمع هؤلاء العمال السبعة عشر، وتشاوروا فيما بينهم ماذا يفعلون، وبعد التفكير استقر رأيهم على أن العامل الأخير لم يعزل بعامل غيره، وله السلطان الشرعي، فطلب الآخرون منه أن يعين كل واحد منهم واليا على ناحية من نواحيه، ففعل وحلت المشكلة.
فلما رأى الناس هذه المفاسد، فسدوا هم أيضا؛ لأنهم رأوا المثل من رؤسائهم، والسبب الأهم من ذلك البيئة الداخلية - وأعني بها البيت - وما يجري فيه، فقد كان في البيت الواحد عدد من النساء الحرائر، ومئات من الجواري ملك اليمين، والرجل يحق له أن يصل على هؤلاء وهؤلاء، وينسل من هؤلاء وهؤلاء، وقد كان هذا معقولا يوم كثرة حروب المسلمين مع غيرهم، ولكن لم يعد معقولا، وقد قلت الحروب فتفرغ الرجال للشهوات الجنسية، وأنسلوا من هؤلاء وهؤلاء. ولا يخفى أن بيتا كهذا يكون مملوءا بالدسائس والمؤامرات، وينسل أولادا يعادي بعضهم بعضا؛ لأن أمهاتهم أرضعتهم الغيرة والكراهية، فكثيرا ما كانت خصومة بعضهم مع بعض، فإذا كانت المفاسد داخلية وخارجية، فكيف يصلح الشعب؟