تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن سوء هذه الحالة الاقتصادية فشا في الناس أمران متناقضان: الأمر الأول: التصوف؛ فإن كثيرا من الناس لما عز عليهم أن ينالوا ما يطلبون قللوا مطالبهم فتصوفوا، وعلموا أنفسهم الزهد، والورع، والكبت، فكثر التصوف من هذا الباب جريا على قولهم: «إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون».

والأمر الثاني: ما شاع في هذا العصر من لصوص سموا «الشطار» كانوا يقطعون الطريق على الناس، ويفرضون ضرائب معينة على البيوت، من لم يدفعها هوجم، وأخذ ماله، وحكى لنا الطبري كثيرا من ذلك، وأن فرقة سميت «المتطوعة» ندبت نفسها للقضاء على هؤلاء الشطار.

أما من الناحية العقلية وانتشار الثقافة، فقد كان العصر متقدما حقا، تم فيه امتزاج الثقافات، هؤلاء الفرس والهنود يتثقفون الثقافة العربية، وينتجون فيها، وهؤلاء وثنيو حران، والسوريانيون يغرقون البلاد بالثقافة اليونانية، وهؤلاء الخلفاء يشجعون الطب والتنجيم أولا لحاجتهم إليهما، ثم ينفذ العلماء منهما إلى أبواب الفلسفة الأخرى؛ من طبيعيات، ورياضيات، وإلهيات، ويعكف العالم الإسلامي على دراستها في صدق وإخلاص، ويقتبس علماء كل علم من الفلسفة اليونانية ليفلسفوه من دين، ونحو، وصرف، وبلاغة، وغير ذلك، هذا عدا الفلسفة نفسها، ونشطت حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية نشاطا غريبا ، حتى إن ثبت الكتب المترجمة عن اللغات المختلفة، وعن اليونانية خصوصا، وهو الذي قدمه لنا ابن النديم في «الفهرست»، وصاحب كتاب «التمدن الإسلامي»؛ ليأخذ عجبنا، هذا ابن المقفع وأمثاله يقدم لنا بلغة عربية فصيحة الثروة الفارسية، وهذا حنين بن إسحاق مثلا يقدم لنا الثروة اليونانية، وهذه كلها كانت بدائية في العصر الأموي، والعباسي الأول، ثم نضجت في القرن الرابع، وأخذ العلماء يقتبسون منها ما حلا لهم؛ ومما زاد الحاجة إلى الفلسفة اليونانية أن النصارى في تلك البقاع كانوا ينقسمون إلى جملة طوائف: يعاقبة، ونساطرة، وملكانية، وكان هناك جدل في هذه المذاهب حول طبيعة المسيح، وحول القضاء والقدر، وهل الإنسان مجبور أو مختار؟ وكل طائفة تسلحت بالفلسفة اليونانية لدعم مذهبها، وكان هذا سببا في انتشار الفلسفة اليونانية، ثم كان من طبيعة بعض الأفراد أن تفلسفوا أولا لغرض من الأغراض، ثم أبوا إلا أن يتفلسفوا للفلسفة ذاتها، كما قال الغزالي: «طلبنا العلم لغير الله، فأبى إلا أن يكون لله». ولما جاءت الدولة الشيعية نصرت الفلسفة - والحق يقال - نصرا مؤزرا، أكثر من أهل السنة؛ لأنها أعانتهم على فكرتهم في مسألة الظاهر والباطن، ولأن المتفلسف عادة أطوع للاقتناع بالحجة الفلسفية، ولأن الفلسفة تلين الجمود، وتفتح الذهن لقبول الجديد؛ ولذلك كثيرا ما نرى فلاسفة هذا العصر يحتضنهم الشيعة: كالفرابي، وإخوان الصفاء، وابن سينا، وغيرهم. فإذا قلنا: إن الفلسفة لم تزهر في عصر، ولم تستثمر في عصر كهذا العصر، لم نكن بعيدين عن الصواب.

وكان الناس في هذا القرن ثلاث طبقات متميزة: الطبقة الأولى: طبقة الأرستقراطيين من خلفاء، ووزراء، وتجار كبار، وأشراف، والطبقة الوسطى: من تجار متوسطين، وملاك متوسطين، ونحوهم، وطبقة فقيرة، وهي عامة الشعب من صغار الفلاحين، وصغار العمال، والعلماء الذين بعدوا عن الخلفاء والأمراء. فأما الطبقة الأولى، فكان المال يتدفق عليهم، وهم ينفقونه في إسراف، هم ونساؤهم وأتباعهم، هذه ميزانية الدولة في هذا العصر بلغت حدا كبيرا، فالخليفة مع ضعفه كان يعد الرئيس الديني حتى للبلاد المفصولة، فكان يجبي خراجا من هذه البلاد، ثم يسرف فيه هو ونساؤه، يحكون أنه كان بين رياش أم الخليفة المستعين بساط أنفقت على صنعه 130 مليون درهم، فيه نقوش على أشكال الحيوانات والطيور، أجسامها من الذهب، وعيونها من الأحجار الكريمة. ومدح شاعر امرأة من البيت المالك؛ فحشت فمه درا باعه بعشرين ألف دينار، وامتلأت بيوت هذه الطبقة بالجواري، والغلمان من سود وبيض، حتى قالوا: إنه بلغ عدد خدم المقتدر أحد عشر ألف خصي من الروم والسودان، إلى غير ذلك من القصور الفسيحة، والغرف العديدة، حتى إن المعز بنى دارا في بغداد أنفق عليها ثلاثة عشر مليون درهم، ثم كان هذا الترف يستتبع عددا كثيرا من المغنين والمغنيات، تصرف عليهم الأموال الكثيرة؛ ومع ما كان يجبى إليهم من الأموال الكثيرة، كانوا يضطرون أحيانا إلى الصرف على الجند، فلا يجدون ما ينفقون، فيضطرون إلى مصادرة الأموال بكل طريق، وأكثر ما يصادرون كان الأغنياء، وقد حكوا أن ابن الجصاص كان تاجرا للجواهر كبيرا في مصر، فصودرت أمواله كلها، حتى إنه وجدت عنده الدراهم بالكلية، وهذا مثل من أمثلة التجار الكبار الذين يعدون من الأغنياء.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٢٣