تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إن ذلك أعدى العلوم والفنون الأخرى؛ حتى كأن الاجتهاد الذي منع هو الاجتهاد في كل علم وفن، فلم يكن أدب غير الأدب القديم، ولا لغة غير الألفاظ القديمة، حتى كأن العالم الإسلامي كله أصيب بالعقم.

وعد من ينتقل من مذهب إلى مذهب مرتكبا لجريمة، ومن يرى رأيا غير رأي إمامه خارجا عن المألوف، حتى طلب أخيرا مرة من العلماء أن يتخيروا مذهبا من المذاهب المختلفة للقضاء بمقتضاه، فرفضوا، فكانت النتيجة اللجوء إلى القانون الفرنسي.

ثم كانت الحالة الاقتصادية على أسوأ ما يكون، فثروة الأمة ليست موزعة توزيعا عادلا، ولا شبه عادل، أموال تتدفق على الملوك والأمراء، ومن يلوذ بهم؛ وفقر مدقع لباقي أفراد الشعب.

وكل دخل الدولة هو الجزية تؤخذ على رءوس أهل الذمة ومن الزكاة، ومما يؤخذ على الأراضي الزراعية، ومما يفرض من ضرائب جديدة غير هذه. وكثرت المصادرات عند احتياج الخلفاء والأمراء للأموال؛ ولذلك شاعت عادة خزن الأموال، وإخفائها في غير مظانها، كالدفن في الأرض، ونحو ذلك، حتى حكوا أنه من حسن حظ أمير من بويه أن احتاج إلى مال كثير يصرفه على الجند، وإلا شغبوا، فصادف أن رأى ثعبانا يختبئ في السقف، فأمر بالبحث عنه، فوجدت غرفة فوق السقف، وفوقها دور آخر علوي، ووجدت هذه الغرفة مملوءة بالذهب المخزون في الخفاء؛ ففرج ذلك كربه، وأزال شدته، وكم وجد في الحيطان وتحت الأرض من أموال مخزونة في القدور!

وقد ألف أحد الظرفاء كتابا سماه «الفلاكة والمفلوكين»، أي: الفقر والفقراء، حكى فيه أمثلة لكثير من العلماء الذين أصيبوا بالفقر، من ذلك ما حكاه عن التبريذي الأديب المشهور من أنه أراد عالما يشرح له كتابا معجما، فوصف له أبو العلاء المعري - وكان بعيدا عنه - فحمل الكتاب في خرج على ظهره، ومشى طويلا، حتى بلل العرق الكتاب وأتلفه، وكان يظن بعد ذلك أنه أصابه مطر، ووجدت أشعار كثيرة في هذا العصر من جراء هذا يذكرون فيها: أن الفقر يلازم العقل، والغنى يلازم الجهل، مثل الذي يقول:

أني رأيت الدهر في حكمه

يمنح حظ العاقل الجاهلا

وما أراني نائلا ثروة

كأنه يحسبني عاقلا

ومثل قوله:

وقائلة ما بال مثلك خاملا

أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز

فقلت لها: ذنبي إلى القوم أنني

لما لم يحوزوه من المجد حائز

وما فاتني شيء سوى الحظ وحده

وأما المعالي فهي عندي غرائز

إلى كثير من أمثال ذلك.

وشاع بين الناس في ذلك العصر مصادرة المواريث، فقال ابن المعتز في أرجوزته:

وويل من مات أبوه موسرا

أليس هذا محكما مشهرا

وطال في دار البلاء سجنه

وقيل من يدري بأنك ابنه

فقال: جيراني ومن يعرفني

فنتفوا سباله حتى فني

وأسرفوا في لكمه ودفعه

وانطلقت أكفهم في صفعه

ولم يزل في أضيق الحبوس

حتى رمى لهم بالكيس

وعين أبو حسين الرقي قاضيا على حلب، فكان يصادر التركات، ويقول: التركة لسيف الدولة؛ وليس لأبي الحسين إلا أخذ الجعالة.

وشاع بين الناس: «من هلك، فلسيف الدولة ما ملك»؛ ولذلك اجتهد الحكام أن ينكروا الوراثة، ويجعلوا من مات مات عن غير وارث؛ ليستولي على تركته.

وكثيرا ما كان يدعي على التجار الكبار أن عندهم ودائع للسلطان، حتى قال ابن المعتز في هذه الأرجوزة:

وتاجر ذي جواهر ومال

كان من الله بأحسن حال

قيل له عندك للسلطان

ودائع غالية الأثمان

فقال: لا والله ما عندي له

صغيرة من ذا ولا جليلة

وإنما ربحت في التجارة

ولم أكن في المال ذا خسارة

فدخنوه بدخان التبن

وأوقدوه بثفال اللبن

1

حتى إذا مل الحياة وضجر

وقال ليت المال جمعا في سقر

أعطاهم ما طلبوا فأطلقا

يستعمل المشي ويمشي العنقا

2

ويحكون أن الإخشيد صاحب مصر كان يصادر خاصته، وعماله، وأصحابه في هدوء وبرود، وكان يأخذ غلمانهم بسلاحهم، ودوائهم، وثيابهم، فإذا سلم أحد من مصادرته حيا أخذ ماله بعد وفاته.

وقد توفي عفان بن سليمان - أكبر تاجر في مصر في زمانه - فأخذ الإخشيد من تركته مائة ألف دينار، ولما مات الصاحب بن عباد بعد أن خدم فخر الدولة البويهي أرسل الأمير من أحاط بتركته، ومن ذلك كان كثير من الأغنياء يودعون أموالهم خفية عند الفقراء؛ حتى يجدوا ما يعيشون به إذا صودروا، وبعضهم كان يدفن المال في الصحراء، وبعضهم كان يستعمل حيلة لطيفة؛ فكان يضع الرجال في صناديق على البغال، ويخرج إلى الصحراء، ثم يفتح الصناديق، ويخرج من فيها، ويأمرهم بالحفر، ويضع في الحفر الذهب، ثم يدخلهم في الصناديق، ويعود بهم لئلا يعلموا موضع الذهب فيسرقوه، وبعض الحكام كان يستعمل العسف في الجمارك، وفي مال الخراج إلى غير ذلك من وسائل ظالمة؛ حتى إن صمصام الدولة سنة 375ه أراد أن يفرض ضريبة قدرها عشر الثمن على الثياب الحريرية، فاجتمع الناس في جامع المنصور، وعزموا على قطع الصلاة، وكاد البلد يفتتن، فأعفوا من ذلك، ولم يقتصروا في الضرائب على الكماليات، بل أرادوا أن يفرضوها على الضروريات كالملح.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٢٢