تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحكي لنا ياقوت في «معجم البلدان» أن بلادا كثيرة خربت بسبب الخلاف في المذاهب، وتعصب كل لمذهبه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان الخلاف شديدا بين الشيعة والسنية، فالخلفاء العباسيون، ومن تبعهم سنيون يتعصبون للسنية، والفاطميون في مصر والشام والمغرب، والحمدانيون في ديار ربيعة وبكر ومضر، وبنو بويه في العراق، وغيرهم يتشيعون، وكانت الكوفة وبها قبر علي أكبر مركز للشيعة، حتى قال بعضهم: «من أراد الشهادة فليدخل دار البطيخ بالكوفة، وليقل: رحم الله عثمان». وروي أن أبا بكر الثوري المتوفى سنة 330ه روى خبرا يمس الإمام عليا، فطلب ليقتل فاستتر. واشتهرت «قم» في إيران بالغلو في التشيع، حتى ليحكون أن واليا سنيا ولي عليهم، فعجب من أنه لا يسمى فيهم أحد أبا بكر أو عمر، وكان يناهضهم أهل أصبهان؛ إذ يتعصبون للسنية، فثارت مرة فتنة بين أهل أصبهان وأهل قم؛ لأن رجلا من أهل قم سب الصحابة إلخ.

وعلى العموم، فقد كان الخلاف بينه السنية والشيعة خلافا شديدا، والسبب فيها اختلافهم في النظر إلى الخلافة، وهي مسألة سياسية صبغت باللون الديني، فالشيعة يرون أن عليا ونسله لهم الحق في الخلافة دون غيرهم، فخلافة الأمويين والعباسيين خلافة باطلة. والخليفة رئيس المسلمين، وله وظيفة أخرى؛ وهي أنه معلم المسلمين؛ لأنه معصوم، ويتلقى العلم بطريق الوراثة، وما أودع فيه من الروحانية. وقد خصهم الله بمزايا غير مزايا الإنسان، وأن الخلافة لهم وراثة، تنقلت من آدم إلى أن وصلت إليهم، وأن النور انقسم إلى قسمين: قسم نزل على عبد الله والد النبي، وقسم نزل على عبد المطلب، ثم انتقل إلى أبي طالب، ثم إلى علي، ومن علي إلى ذريته. وهذا النور الموروث يجعل إمام كل عصره معصوما، فتجعل له قوة روحانية لا نظير لها في البشر، ومن أجل ذلك أنكروا الخلافة لغير هؤلاء.

فهذا الخلاف بين أتباع المذاهب من جهة، وبين الشيعة والسنة جعل البلاد الإسلامية نارا مشتعلة؛ فكل يوم نسمع هياجا من السنيين؛ لأن شيعيا سب الصحابة، ونسمع هياجا من الشيعة؛ لأن أحدا مس عليا أو أحد الأئمة، حتى إن بعض العلماء الكبار - من علماء بغداد - حرم على نفسه المشي بالكرخ؛ لأنه كان يسمع فيها سب الصحابة، وعاقب أحد الفاطميين رجلا أشد عقوبة؛ لأنه وجد عنده كتاب «الموطأ» للإمام مالك، وهذا مما كان سببه ضيق العقل.

وأراد الفاطميون أن يمدوا ملكهم إلى العراق وما حولها، فكان القتال الشديد، والخصومة الشديدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وليس بعجيب أن يكون الخلاف بين الشيعة والسنية، والمذاهب المختلفة في تلك العصور المظلمة، إنما العجيب أن يبقى هذا الخلاف على مدى التاريخ إلى اليوم. •••

وكان من أكبر مظاهر هذا العصر القول بسد باب الاجتهاد، ولم يكن سده بناء على مجلس اجتمع فيه الفقهاء، وقرروا فيه إقفال باب الاجتهاد، وعمل بذلك محضر وزع على الأمصار، إنما كان شعورا عاما بالضعف والنقص، ونوعا من التقديس للفقهاء السابقين، ومن ذلك الحين - أعني القرن الرابع الهجري - وقف سير التشريع الإسلامي، ومضى عصر الابتكار، وبدأ عصر التحجر، وأصبح أصحاب المذاهب الأولون كأنهم معصومون، وأصبح الفقيه لا يستطيع الحكم في مسألة إلا إذا كانت مسألة جزئية تطبيقا على قاعدة كلية، قالها إمامه من قبله، وهذا هو الذي يسمى اجتهاد مذهب، أما قبل ذلك فكان الاجتهاد مباحا، ولم يكن مقصورا على المذاهب الأربعة: فكان هناك مذهب سفيان الثوري، ومذهب الأوزاعي، ومذهب الظاهرية، وغيرها من عشرات المذاهب، بل حكي أن بعض العلماء كان لا يرضى أن يتبع مذهبا من المذاهب، بل يجتهد لنفسه، ففي أوائل القرن الرابع تجمدت المذاهب، واقتصر فيها على المذاهب الأربعة، وأبطل كما قيل نحو خمسمائة مذهب؛ ولذلك وقف التشريع تقريبا من هذا التاريخ، ورمي الإسلام بالجمود.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٢١