وفي هذا العصر نبتت فكرة جديدة ظل المسلمون يعتنقونها قرونا طويلة، وهي أنه من ملك مكة والمدينة - أو بعبارة أخرى الحرمين الشريفين - فهذا أحق الناس بالخلافة.
فنحن نستنتج من هذا أن العلم والسياسة لا يتمشيان جنبا إلى جنب، حتى إذا ارتقى هذا ارتقى ذاك، بل قد يكون الأمر على العكس، قد يكون الضعف السياسي متمشيا مع زهو العلم؛ وهذا يسلمنا إلى أن القول بتقسيم تاريخ المملكة الإسلامية إلى عصور، يجعل لكل عصر مميزات من قوة أو ضعف، لا ينطبق تمام الانطباق على الحياة العلمية؛ فقد تنتهي دولة ما سياسيا، وتبدأ دولة جديدة، على حين أن الحياة العلمية مستمرة، لم تنته ولم تذبل، فالتقسيم التاريخي إلى دولة أموية، ودولة عباسية أولى، ودولة عباسية ثانية لا ينطبق إلا على السياسة؛ وهذا الانقسام كان له أثر حسن في إمكان المسلمين صد غارات الصليبيين، ولو أتى الصليبيون والبلاد كلها في يد العباسيين الضعفاء ما استطاعوا ردهم، ولكنهم أتوا والدولة الحمدانية في قوتها، والدولة الصلاحية في ذروتها، فاستطاعوا ردهم. •••
أما بغداد، فكانت في يد الخلفاء العباسيين اسما، وفي يد جبابرة الأتراك فعلا، فكان هؤلاء الأتراك يختارون من بني العباس من أنسوا منه صغر السن، أو ضعف الشخصية، فيجعلونه خليفة حتى لا يشاركهم في سلطانهم، وأحيانا يخيب ظنهم فيشاركهم في سلطانهم، أو يتمرد عليهم، فينكلون به، وينقمون منه.
وعلى الجملة، فقد كان الخلفاء العباسيون آخر الأمر بالنسبة لأبي جعفر المنصور مثلا، وعبد الملك بن مروان، ومعاوية كأقزام بجوار عمالقة. وفي هذا العهد مثلا قد تولى الخلافة المقتدر، وكانت أمه رومية، وفيها المهارة الرومية، فوضعت يدها على الدولة، ودبرت أمور البلاد بقوة وحزم؛ تولي وتعزل، وتربي ابنها تربية طيبة، وتمنع مؤنسا التركي من التدخل، فلما ضاق ذرعا بذلك دبر مؤامرة لقتل المقتدر؛ فذبح بالسيف، ونزعت عنه ثيابه حتى سراويله، حتى مر عليه رجل من العامة، فستر عورته بالحشيش، ثم تولى أخوه من أبيه القادر، وتحروا أن يختاروه ممن ليس له أم قوية كأم المقتدر. ومع ذلك قامت ثورة أريد بها خلع القادر، فلم تنجح، فقضى القادر على مؤنس، فطلب أصحاب مؤنس منه أن يخلع نفسه فأبى، فخلع، وسملت عينه لأول مرة في تاريخ الإسلام، وشوهد بعد ذلك يسأل الصدقة على باب الجامع، ثم عين الراضي ابن أخي القادر، وكان أديبا معروفا.
ثم ارتقى عرش الخلافة بعده أخوه المتقي، فغدر به توزون التركي، وسمل عينه أيضا، ثم خلفه المستكفي - وكانت أمه رومية أيضا - فأراد البويهيون أن يخلعوه، فخلع نفسه؛ ولكنه اشترط عليهم ألا يقطعوا شيئا من أعضائه، ولكن أخاه المطيع أبى إلا أن تسمل عينه أيضا.
وانتهي الأمر أخيرا إلى أن يتخلى الخلفاء عن السلطة الفعلية، ويكتفوا بالمظهر. •••
ومن مظاهر هذا العصر الخلاف الشديد بين الفقهاء بعضهم مع بعض، وبين السنية والشيعة، حتى جروا البلاد إلى الخراب، فكل مملكة تقسمتها المذاهب المختلفة، وكان النزاع شديدا بين بعضهم وبعض، وكان الشافعية مشهورين بالشغب، والتألب على خصومهم؛ ومن مثل ذلك ما حكى بعض المؤرخين من أن الحنابلة قد بنوا مسجدا ببغداد، واستعانوا بالعميان الذين كانوا يأوون في هذا المسجد، فإذا مر بهم شافعي ضربوه بعصيهم حتى يكاد يموت.
وانتشر مذهب الشافعي في مكة والمدينة، واشتهر مذهب أبي حنيفة في العراق، وكان أكثر الفقهاء في مصر من أتباع مالك، وكذلك انتشر مذهب مالك في المغرب والأندلس. ويحكون أنه لما توفي ابن جرير الطبري - المؤرخ الكبير - دفن بداره ليلا سرا؛ لأن العامة اجتمعت، ومنعت دفنه نهارا؛ لتألب الحنابلة عليه؛ إذ ألف كتابا في اختلاف الفقهاء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ولم يذكر فيه خلاف الحنابلة، فلما سئل عن أحمد ابن حنبل قال: إنه محدث لا فقيه.