تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعذرنا في ذلك ضعف الصحة، وعدم قدرتنا على إثبات النصوص كما قرأناها أو سمعناها، على أن هذه الطريقة إنما اتبعت لكي يصدق القارئ المؤلف في تأليفه، فإذا كان قراؤنا لم يصدقونا مما سبق، فعلينا العفاء، وإذا صدقونا اكتفوا منا بمسلكنا في هذا الجزء، وربما كررت بعض أشياء في هذا الجزء والذي قبله، فعذرنا في ذلك أن الإنسان موضع النسيان.

ولا يدري إلا الله ماذا لقينا من عناء في بعض الأبواب، كالكلام على إخوان الصفاء، فبعضهم يرى أنهم شيعة، وبعضهم يرى أنهم ليسوا بشيعة، فاضطررنا إلى مراجعة أربعة أجزاء كبار؛ لنقف على موضوعات الكتاب أولا، ومعرفة منحى المؤلفين: هل هم شيعة أو غير شيعة ثانيا، حتى استخلصنا الرأي في ذلك، وكالخلاف بين الصوفية والفقهاء، فقد كانت مسألة دقيقة تحتاج إلى دراسة عميقة، إلى غير ذلك.

هذا مع نهي الأطباء لنا عن النظر في الكتب، ولكنا اعتدنا أن نعتمد في الحياة على القراءة والتأليف، وما قيمة الحياة من غير ذلك؟

ولسنا نطلب جزاء على ما بذلنا من جهد إلا من الله، والله يوفقنا في هذا الجزء وما بعده، كالذي وفقنا فيما قبله.

القاهرة في 3 / 11 / 1952م

| البيئة الاجتماعية في القرن الرابع الهجري

في نحو سنة 324ه (935م) أصيب العالم الإسلامي بانقسام كبير، حتى كأنه عقد انفرط، أو صخرة تفتتت.

نعم، كان قد انفصل قبل ذلك عن العالم الإسلامي خراسان والمغرب، ولكن لم يتمزق هذا التمزق إلا في نحو هذا العام، فكأن المماليك قد لاحظت هذه الفرقة فقلدتها، وربما دعاهم إلى ذلك أيضا أنهم رأوا بغداد قد صارت في يد الأتراك الظالمين، يظلمون ويعسفون، فكيف يخضعون لهم، ويسلمون أنفسهم لظلمهم، فاستقلوا؛ فصارت فارس والري، وأصبهان والجبل في أيدي بني بويه، وكرمان في يد محمد بن إلياس، والموصل وديار بني ربيعة، وديار بكر وديار مضر في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن محمد بن طغج الإخشيد، والمغرب وإفريقيا في يد الفاطميين، والأندلس في يد عبد الرحمن الناصر، وخراسان في يد نصر بن أحمد الساماني، والأهواز وواسط والبصرة في يد البريديين، واليمامة والبحرين في يد القرامطة، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، ولم يبق للخلافة العباسية إلا بغداد، ولكن ما أسسه أبو جعفر المنصور والمهدي من خلق وسائل تحمل الناس على تقديس الخلافة العباسية جعل كثيرا من ولاة هذه الأقطار المستقلة يطلبون مسالمة الخليفة العباسي، والطاعة الاسمية له؛ مع أنهم أقدر منه.

ولكن - والحق يقال - كانت المملكة الإسلامية كلها وطنا للمسلمين جميعا يرحب بهم حيثما رحلوا، وكان العالم ينقسم عندهم إلى قسمين: دار إسلام، ودار حرب. فالعلماء والمحدثون، والجغرافيون يرحلون في البلاد الإسلامية بسهولة كما يشاءون، كالذي نرى في رحلة ابن بطوطة، وابن جبير في القرون الوسطى، وبين الأقطار الإسلامية المختلفة من صلة وثيقة، وكلها وطن للمسلم.

ولئن عد هذا ضعفا من الناحية السياسية، فإنه لا يعد ضعفا من الناحية العلمية، فالمملكة الإسلامية في القرن الرابع الهجري كانت أعلى شأنا في العلم من القرون التي كانت قبلها، ولئن كانت الثمار السياسية قد تساقطت في القرن الرابع، فالثمار العلمية قد نضجت فيه، والسبب في ذلك أن الإمارات الإسلامية المختلفة كانت تتبارى في تجميل موطنها بالعلماء والأدباء، وتتفاخر بهم، وهذا أكسبهم التحبب إلى العلماء، والإغداق عليهم. وسبب آخر، وهو أن انفصال هذه الإمارات عن الدولة العباسية جعلها مستقلة في مالها لا ترسله إلى بغداد؛ بل تغدقه على أهلها، والعلم دائما متأثر بالمال؛ فهذا جعل كثيرا من العلماء ينعمون في ظل هذا الاستقلال أكثر مما كانوا ينعمون في ظل الوحدة؛ فقد كان الشاعر مثلا لا يظهر اسمه إلا إذا رحل إلى بغداد، فصار يلمع اسمه في بلده، أو على العموم خارج بغداد، كالمتنبي ونحوه، بل كان علماء بغداد أنفسهم يرحلون إلى مصر وغيرها كما فعل عبد الوهاب المالكي، وكما فعل أبو نواس وأبو تمام.

ظهر الإسلام · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١١٩