وحكى الصولي «أنه عهد إليه بتربية الراضي بالله وأخيه هارون، فكان يلقاهما مرتين في الأسبوع وقد رآهما فطنين عاقلين، إلا أنهما خاليان من العلوم. قال الصولي: «فحببت العلم إليهما، واشتريت لهما من كتب الفقه والشعر واللغة والأخبار قطعة حسنة، فتنافسا في ذلك، وعمل كل واحد منهما خزانة لكتبه، وقرآ علي الأخبار والأشعار.» فكان مما قرأه لهما الصولي كتاب «خلق الإنسان» للأصمعي، فوشى الخدم، وقالوا: «إن الصولي يعلمهما أسماء الفرج والذكر.» فاجتهد الصولي في نفي هذه التهمة، وأراهم الكتاب.
ثم لما تقدم الصولي في تعليمهما، وتطلع إلى مكافأته على ما عمل، قيل له على لسان أهل القصر: «ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء، وهذا أبوهما قد رأينا كل ما نحب فيه، وليس بعالم.» فلما سمع الصولي أتى نصرا الحاجب وأخبره بما قيل، فبكى، وقال: كيف نفلح من قوم هذه نياتهم؟!»
31
وحكى في موضع آخر، أن الراضي بالله، قبل أن يلي الخلافة، كان يقرأ عليه - على الصولي - شيئا من شعر بشار، وبين يديه كتب لغة، فجاء خدم من خدم جدته، فأخذوا جميع ما بين يديه من الكتب، فجعلوه في منديل، فغضب الراضي، فسكنت غضبه وقلت: ليس ينبغي أن ينكر الأمير هذا؛ فإنه يقال لهم إن الأمير ينظر في كتب لا ينبغي أن ينظر في مثلها. فقال لهم الراضي: قولوا لمن أمركم: إن هذه الكتب إنما هي حديث وفقه وشعر ولغة وأخبار، وليست من كتبكم التي تبالغون فيها مثل عجائب البحر، وحديث سندباد، والسنور والفار.
32
فترى من هذا كيف كانوا يريدون الحجر على من يرشح للخلافة لينشأ جاهلا غرا، فينصرف إلى لهوه ولذته، ويترك لهم زمام الأمور والتصرف في شئون الدولة.
وكان من المؤيدين لتولية هذا الطفل مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وغيرهما من الأتراك.
نعم كان مع ابن المعتز بعض الأتراك، ولكن الغلبة والقوة كانتا في جانب الذين مع المقتدر، فتم الأمر للمقتدر، وقتل ابن المعتز.
33
روي أنه لما اختلف أمر الناس، وبايع بعضهم لابن المعتز، سأل ابن جرير المؤرخ الكبير، وكان في آخر أيامه: ما الخبر؟ قالوا: بويع ابن المعتز. قال: فمن رشح للوزارة؟ قالوا: محمد بن داود. قال: فمن ذكر للقضاء؟ قالوا: أبو المثنى. فأطرق ثم قال: هذا الأمر لا يتم. قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممن سميتموهم متقدم في معناه، عالي الرتبة، والزمان مدبر، والدنيا مولية، وما أرى هذا إلا إلى اضمحلال، وما أرى لمدته طولا.
34
كان المقتدر صبيا في الثالثة عشرة من عمره لا يعرف من أمور الدنيا شيئا، ومع ذلك لقبوه بالمقتدر! ولما شب عكف على لذائذه، وتوفر على المغنين والنساء، وترك أمور الدولة لغيره وعلى رأسهم مؤنس التركي، فبلغت الحال من بله الخليفة وسوء رجاله أقصى حد.
وأخيرا بعد حكم فاسد دام نحو خمس وعشرين سنة، قتل المقتدر رجل من أصحاب مؤنس، أضجعه فذبحه وسلب ثيابه حتى سراويله، وتركه مكشوف العورة، إلى أن مر به رجل من الأكرة فستر عورته بحشيش، ثم حفر له في الموضع، ودفن حتى عفا أثره.
35
قال المسعودي في المقتدر: «أفضت الخلافة إليه وهو صغير غر ترف، لم يعان الأمور ولا وقف على أحوال الملك، فكان الأمراء والوزراء والكتاب يدبرون الأمور ليس له في ذلك حل ولا عقد، ولا يوصف بتدبير ولا سياسة، وغلب على الأمر النساء والخدم وغيرهم، فذهب ما كان في خزائن الخلافة من الأموال والعدد بسوء التدبير الواقع في المملكة فأداه ذلك إلى سفك دمه؛ واضطربت الأمور بعده، وزال كثير من رسوم الخلافة
36 ... وكانت في أيامه أمور لم يكن مثلها في الإسلام: منها أنه ولي الخلافة ولم يل أحد قبله من الخلفاء وملوك الإسلام في مثل سنه؛ لأن الأمر أفضي إليه وله ثلاث عشرة سنة وشهران وثلاثة أيام، ومنها أنه ملك خمسا وعشرين سنة إلا خمسة عشر يوما، ولم يملك هذا أحد من الخلفاء وملوك الإسلام قبله، ومنها أنه استوزر اثني عشر وزيرا، فيهم من وزر له المرتين والثلاث، ولم يعرف فيما قبله أحد استوزر هذه العدة، ومنها غلبة النساء على الملك والتدبير، حتى إن جارية لأمه تعرف بثمل القهرمانة كانت تجلس للنظر في مظالم الخاصة والعامة، ويحضرها الوزير والكاتب والقضاة وأهل العلم.