تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذا فقد كانت لحركة المهتدي أثر في استرداد البيت العباسي بعض سلطانه، وكان من أسباب ذلك أيضا انتقال الخليفة من سامرا - وهي حصن الأتراك - إلى بغداد، وفيها عناصر كثيرة تريد أن تحمي الخلافة من شرورهم؛ ولذلك رأينا سلسلة من الخلفاء بعده يقبضون على كثير من السلطان، ويموتون حتف أنوفهم، فقد تولى بعد المهتدي المعتمد؛ نعم إنه كان مسلوب السلطان محجورا عليه، وقال في ذلك أبياته المشهورة:

أليس من العجائب أن مثلي

يرى ما قل ممتنعا عليه

وتوكل باسمه الدنيا جميعا

وما من ذاك شيء في يديه

إليه تحمل الأموال طرا

ويمنع بعض ما يجبى إليه

ولكن الذي كان يحجر عليه هذه المرة هو أخوه الموفق، لانصراف المعتمد إلى لهوه وملذاته، والموفق في أيامه كان بطلا، ترك لأخيه المعتمد الخطبة والسكة والتسمي بإمرة المؤمنين، وأمسك هو بزمام الأمر والنهي، وقود العساكر، ومحاربة الأعداء؛ ومرابطة الثغور، وترتيب الوزراء والأمراء، وكبح غير قليل من جماح الأتراك.

فلما جاء المعتضد بن الموفق سار سيرة أبيه، وزاد في رفع شأن الخلافة، والأخذ على يد الأتراك بقدر ما يستطيع، قال الفخري: «كان المعتضد شهما عاقلا فاضلا، حمدت سيرته، ولي والدنيا خراب، والثغور مهملة، فقام قياما مرضيا حتى عمرت مملكته، وكثرت الأموال، وضبطت الثغور، وكان قوي السياسة شديدا على أهل الفساد، حاسما لمواد أطماع عساكره عن أذى رعيته، محسنا إلى بني عمه من آل أبي طالب.»

29

وقد كثرت الفتن والأحداث في أيامه نتيجة للفساد الذي كان قبل أيامه، فجاهد فيها ما استطاع.

وقد نظم فيه «ابن المعتز» ابن عمه قصيدة طويلة هي صورة مصغرة لنمط الملاحم كالإلياذة والشاهنامه، سدت بعض النقص في الشعر العربي في هذا النوع، بدأها بذم الأتراك وما جنوا على البلاد، ذكرنا طرفا منه فيما سبق، ثم عدد أعمال المعتضد، وما قام به من حروب وما أتى به من إصلاح. وهي تعد بجانب مزيتها الأدبية وثيقة تاريخية هامة للأحداث في عهد المعتضد.

واستبشر الشعراء بهمته، فقال ابن الرومي:

هنيئا بني العباس إن إمامكم

إمام الهدى والناس والجود أحمد

كما بأبي العباس أنشئ ملككم

كذا بأبي العباس أيضا يجدد

وقال ابن المعتز:

أما ترى ملك بني هاشم

عاد عزيزا بعدما ذللا

يا طالبا للملك كن مثله

تستوجب الملك وإلا فلا

وعلى الجملة، فقد مات بعد نحو عشر سنوات من حكمه، خلف فيها الخلافة على حال أحسن بكثير مما كانت منذ وفاة الواثق.

وسار ابنه المكتفي بسيرة أبيه، ولكن الفتن التي بدأت في عهد أسلافه استفحلت، وعظم أمرها، من إسماعيلية، وقرامطة، وفاطمية، وانتهى القرن الثالث الهجري والفتن قائمة، والثورات مشتعلة، وعلى الخلافة المقتدر بن المعتضد، فعادت الخلافة إلى ضعفها الأول، وعاد الأتراك إلى قوتهم.

ويظهر أن الأتراك والوزراء سئموا من اختيار الخلفاء القادرين الأكفاء، أمثال المهتدي، والمعتضد، والمكتفي، فأرادوا أن يعدلوا عن هذه السنة ويولوا عديم الكفاية؛ ولذلك طال اجتماعهم وتفكيرهم بعد موت المكتفي، وكان من أول المرشحين للخلافة عبد الله بن المعتز، وهو كفء عالم أديب قادر، فانصرفوا عنه إلى المقتدر، وهو طفل عاجز، فولوه حتى تتم لهم الرياسة. حكى مسكويه أن وزير المكتفي العباس بن الحسن استشار ابن الفرات فيمن يلي الخلافة، فقال له: «اتق الله ولا تنصب في هذا الأمر من قد عرف دار هذا، ونعمة هذا، وبستان هذا، وجارية هذا، وفرس هذا، ومن لقي الناس ولقوه، وعرف الأمور، وتحنك وحسب حساب نعم الناس.

30

قال الوزير: فبمن تشير؟ قال ابن الفرات: بجعفر بن المعتضد (هو المقتدر). فقال الوزير: جعفر صبي! قال ابن الفرات: إلا أنه ابن المعتضد، ولم تجيء برجل يأمر وينهى، ويعرف ما لنا، وبمن يباشر التدبير بنفسه ويرى أنه مستقل؟ ولم لا تسلم هذا الأمر إلى من يدعك تدبره أنت؟»

ظهر الإسلام · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١١