37
ولم تكن خلافة القاهر خيرا من خلال المقتدر. وأخيرا اجتمع بعض قواد الجند وقبضوا على القاهر وهو سكران، واستحضروا بختيشوع بن يحيى المتطبب وسألوه أن يدلهم على من يحسن أن يسمل، فذكر لهم رجلا، فأحضر وسمل
38
عيني القاهر، ولم يسمل قبله أحد من الخلفاء، وقد سملوا بعده الخليفة المتقي واسمه إبراهيم، فقال القاهر:
صرت وإبراهيم شيخي عمى
لا بد للشيخين من مصدر
ما دام تورون له إمرة
مطاعة فالميل في المجمر
وقد وقف القاهر يوما - بعد أن سمل وحبس وبويع غيره ثم أطلق - في جامع المنصور بين الصفوف وعليه مبطنة بيضا، وقال: تصرفوا علي فأنا من قد عرفتم.
39
وحدث أبو الحسن العروضي مؤدب الخليفة الراضي، قال: اجتزت في يوم مهرجان بدجلة بدار بجكم
40
التركي، فرأيت من الهرج والملاهي واللعب والفرح والسرور ما لم أر مثله، ثم دخلت إلى الراضي بالله، فوجدته خاليا بنفسه قد اعتراه هم، فوقفت بين يديه، فقال لي: ادن. فدنوت، فإذا بيده دينار ودرهم، في الدينار نحو من مثاقيل، وفي الدرهم كذلك، عليه صورة «بجكم» شاك في سلاحه، وحوله مكتوب:
إنما العز فاعلم، للأمير المعظم
سيد الناس بجكم
ومن الجانب الآخر الصورة بعينها، جالس في مجلسه كالمفكر المطرق. فقال الراضي: أما ترى صنع هذا الإنسان وما تسمو إليه همته، وما تحدثه به نفسه؟! فلم أجبه بشيء، وأخذت به في أخبار من مضى من ملوك الفرس وغيرها، وما كانت تلقى من أتباعها، وصبرهم عليهم، وحسن سياستهم لذلك حتى تصلح أمورهم، وتستقيم أحوالهم، فسلا عما عرض لنفسه، ثم قلت: يمتع الله أمير المؤمنين أن يكون كالمأمون في هذا الوقت حيث يقول:
صل الندمان يوم المهرجان
بصاف من معتقة الدنان
بكاس خسرواني عتيق
فإن العيد عيد خسرواني
وجنبني الزبيبيين طرا
فشأن ذوي الزبيب خلاف شاني
فأشربها وأزعمها حراما
وأرجو عفو رب ذي امتنان
ويشربها ويزعمها حلالا
وتلك على الشقي خطيئتان
فطرب وأخذته أريحية وقال لي: صدقت، ترك الفرح في مثل هذا اليوم عجز!
وأمر بإحضار الجلساء، وقعد في مجلس التاج على دجلة، فلم أر يوما كان أحسن منه في الفرح والسرور.
41
هذا في إيجاز تام حال الأتراك من حيث علاقتهم بالخليفة والخلافة وشئونها.
وللأتراك في هذا العصر ناحية أخرى اجتماعية لها أثر كبير في حياة المسلمين، فقد كان لقبض الأتراك على زمام الحكم أثر في دخول كثير منهم في الإسلام، وانتشارهم في المملكة الإسلامية، فمسكويه يذكر في حوادث سنة 349ه أنه في هذه السنة أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خركاه،
42
والخركاه هي الخيمة التي تسكنها الأسرة؛ أي أن من أسلم نحو مائتي ألف أسرة، فإذا كان متوسط الأسرة خمسة أشخاص كان مجموع ذلك نحو ألف ألف شخص، ولا شك أن هذا العدد، ومن أسلم قبله، ومن أسلم بعده، في اندماجهم في المسلمين؛ يؤثر أثرا كبيرا.
كان هؤلاء الأتراك أقوياء أشداء أصحاء كما تستلزمه طبيعة بلادهم، وبداوة معيشتهم. وقد ذكر لنا الجاحظ فيما سبق أن أطلق على الأتراك «أعراب العجم»، ويعني بالأعرابية البداوة، وهذه البداوة تكسبهم قوة في البدن وخشونة في الطبع، وقد تجلى هذا في معاملتهم الناس، فضج منهم أهل بغداد في عصر المعتصم. ولكن مرور الأزمان عليهم، واستيلاءهم على البلاد المنعمة المترفة، وكثرة الأموال في أيديهم، حضرهم، وعلمهم النعيم والبذخ، وحمل بعضهم على العبث بالأخلاق. حكى التنوخي أن شيخا من التجار كان له على بعض القواد مال جليل يماطله به، ولم يستطع الظلامة إلى الخليفة المعتضد؛ لأنه كان إذا جاء حجبه القائد واستخف به غلمانه، فدلوه على خياط في سوق الثلاثاء، فأمر الخياط القائد بدفع ما عليه للتاجر ففعل؛ فعجب التاجر من هذا الذي رأى، وألح عليه في السؤال عن سبب خضوع القائد! فقص عليه أنه مر مرة في الطريق فرأى تركيا على داره، وقد اجتازت امرأة جميلة عليه فتعلق بها وهو سكران ليدخلها داره، وهي ممتنعة تستغيث، وليس أحد يغيثها، وتقول: إن زوجي قد حلف بالطلاق ألا أبيت خارج بيته، فإن بيتني هذا، أخرب بيتي مع ما يرتكبه مني من المعصية، ويلحقه بي من العار.